|
لطالما كان الخوض في أحاديث تدور حول الديانات أو المذاهب أو المعتقدات من الأمور المحظورة التي يتهيّب الكثيرون ملاسنتها أو حتى مجرد التفكير فيها، وهو خوفُ يلاصق جميع الطوائف من دون استثناء، خوفُ سيطر على عقولهم وطلاها بلون العتمة، حتى لو كان الحديث بغية الاطلاع عما يُفكر به (الاَخر) من دون أن يطال ذلك الإيمان نفسه. بمعنى اَخر، لا يُضير المسلم شيئاً لو اطلع على ما يُدين به الاَخرون ما دام محافظاً على عقيدته وإيمانه. . . والمثير في عالم يعيش في قرنه الحادي والعشرين (بعد الميلاد) وتؤمن غالبية الناس فيه بالديانات السماوية الثلاث، وجود جماعات وثنية أو ملحدة أو (غريبة) لا تزال تعتقد بقصص وخرافات عفا الزمان عليها ومضى.
بل تقوم بطقوس لا يفهمها عاقل مهما حاول تفسيرها لمَا فيها من غرابة و. . . لامنطقية! (الزرادشتية); واحدة من أقدم المعتقدات الموجودة في العالم، والتي يعتبرها أتباعها ديناً قائماً في حد ذاته، فيؤمنون به ويواظبون على تعاليمها منذ أقدم العصور حتى اليوم.
(الأولى) زارت السيدة فارزين مهتابال، إحدى أتباع زرادشت، في منزلها الفخم، وذلك بوجود والديها اللذين شاركا في الحوار أيضاً من خلال كثير من الأسئلة، وكان الحوار الاَتي بعد تخفيفه وتلطيفه خوفاً من مقص ّ الرقيب! * إلى أين تعود أصولكم؟ - إلى بلاد فارس ، أو ما يعرف اليوم بإيران.
* ما منشأ معتقداتكم؟ - أنشأ العقيدة رجل يدعى (زرادشت)، لذلك دُعيت عقيدتنا بالزرادشتية.
* من هو زرادشت؟ - زرادشت إنسان عادي مثل جميع البشر، لكنه منذ صغره لم يكن سعيداً بالشرّ الموجود في العالم، وهذا ما دفعه إلى التأمل والبحث بغية الوصول إلى الحقيقة، حتى استجاب له (أهورامزدا) وسلمه رسالته.
* ماذا عن حياته؟ - هو إنسان عادي- كما أخبرتك- متزوج ولديه أبناء، وقد عانى الكثير في حياته قبل أن يصبح رسولاً، لكنه عندما ولد كان يضحك على عكس جميع الأطفال الذين يبكون عند ولادتهم. وعندما بدأ الدعوة حاول الكثيرون اضطهاده وقتله وتعذيبه، وقد لاقى من ذلك الكثير، حتى أنهم ذات مرة أطلقوا عليه قطيعاً من الثيران كي يقتله ويخلصهم منه، لكن أحد الثيران أنجده من الموت عندما وقف أمامه كالدرع الحامي، وقد استمروا في معاداته وقتاله حتى استطاع أن يؤسس عقيدته.
* في أي عام تم اختياره، ومتى توفي؟ - ليس معروفاً لدينا تاريخ ولادته ووفاته، أو حتى تاريخ استلامه الرسالة.
* هل لديه أولاد؟ وأين هم؟ - لديه أولاد، لكن التاريخ لم يذكر شيئاً عنهم، ولا نعرف شيئاً عن مصيرهم.
* ماذا يعني اسم (أهورامزدا)؟ - الجبار.
* ومن هو (أهورامزدا)؟ - يقوم مبدأ (أهورامزدا) على مبدأ الإله الواحد، كما هو الإله الذي يؤمن به المسلمون، وليس لدينا صور لنتعرف إليه من خلالها، وهو ليس من البشر، بل هو كائن خارق نستدل عليه من خلال النار.
* لمَ النار؟ - قبل أن يتسلّم زرادشت رسالته من (أهورامزدا) كان زاهداً في الدنيا بسبب غضبه من الشر الذي يملأ العالم، وراح يمشي في الجبال والغابات باحثاً عن إجابات يستطيع من خلالها أن يحسن المجتمع، فاستجاب له (أهورامزدا) وأعطاه التعاليم والقراءات التي توصله إلى الحل، وهنا سأل زرادشت (أهورامزدا): كيف سأثبت للناس وجودك، وأقنعهم بتعاليمك؟ فأعطاه (أهورامزدا) شعلة من النار، وقال له: (هذا ابني، قدّمه للناس كدليل مادي على وجودي)، وأمره أن يطلب من الناس أن يبقوها متقدة.
* وأين يوجد الزرادشتيون في العالم؟ - عندما دخل العرب إلى بلاد فارس ومنعوا الزرادشتيين من مزاولة عقيدتهم، هاجروا من إيران على متن ثلاثة مراكب، اتجه أحدها إلى روسيا وهناك اختفى ولا نعرف شيئاً عنه، فيما اتجه الثاني إلى أوروبا حيث انصهر من كان على متنه مع المجتمع الأوروبي، ويُقال إنهم أصبحوا جزءاً من اليهود.
* ماذا عن القارب الثالث؟ - أما القارب الثالث، فقد اتجه إلى الهند وهو قارب كبير كان على متنه الكثير من الزرادشتيين الذين أخذوا معهم أغراضهم وعدتهم وعتادهم وأسلحتهم، وفي الطريق تعرض هذا القارب إلى عاصفة قوية جداً كادت تودي بحياة راكبيه، فراح الكاهن الكبير يقرأ صلاة معينة ما جعل العاصفة تهدأ حتى وصل المركب بسلام. وعندما دخل القارب إلى الهند، قام سكان البلد بإبلاغ الملك بوجود غزاة قادمين، لكنّ الملك كان حكيماً جداً، فقام باستقبال الزرادشتيين بشكل جيد، ثم قدم للكاهن الكبير صحناً كبيراً ممتلئاً بالحليب، وكانت تلك إشارة بأن بلده مكتظ بالسكان ولا مكان لديه لاستقبالهم. فطلب الكاهن منهم أن يحضروا له مقداراً من السكر وراح يرشه فوق الحليب، ثم قدّم الوعاء إلى الملك وقال له: (نحن لن نزعجك أو نكون ثقلاً عليك، بل سنذوب في مجتمعك كما ذاب السكر في الحليب ونجعله يصبح أكثر حلاوة)، وقد أعجب الملك بحكمة الكاهن، فسمح لهم بالبقاء.
* ما أهم التعاليم التي أوصاكم بها؟ - الأفكار الخيرة (حُمادا)، والكلام الخير (حُقاتا)، والأعمال الخيرة (خفائر شتا)، أي أن مبدأ العقيدة لدينا يقوم على اتّباع هذه التعاليم الثلاثة بهذا الترتيب، واتباع هذه التعاليم يجعلنا نبتعد عن الأمور البغيضة والمكروهة.
* ألا يوجد في عقيدتكم أي محرمات؟ - لا يوجد لدينا محرمات، أو أي أمر ديني يقضي بتحريم الخمر أو تحريم أي شيء اَخر نتناوله، لكن بمجرد تقيدنا بهذه المبادئ الثلاثة نعد مؤمنين.
* ألا تحرمون الزنى أو القتل مثلاً؟ - أخبرتك بأنه ما من محرمات لدينا أبداً، أي أن الزنى ليس محرماً وما إلى ذلك، وما نحرمه فقط هو أمر واحد: أن يدخل معبدنا من هو ليس زرادشتياً! أما فيما يخص المحرمات الاجتماعية التي وجدت فيما بعد، فهي من فعل الكهنة، فنحن أصلاً لا يوجد لدينا أي شيء مكتوب ينص على تحريم الزنى في عقيدتنا، لكن المبادئ الثلاثة التي ترتكز عليها عقيدتنا (الأفكار الخيرة والأعمال الخيرة والأقوال الخيرة) كفيلة بردعنا عن الأمور السفيهة.
* هل لديكم كتاب مقدس ؟ - طبعاً، واسمه (كوردي أفسته) ويستخدمه الزرادشتيون في الصلاة، وهذا الكتاب لم يكتبه زرادشت، إنما مكتوب من قبل أتباع زرادشت الذين تبعوه ولحقوه في كل مكان وكتبوا من بعده تعاليمه. وعندما دخل الإسكندر إيران في أيام (سارس ) واحتل بلاد فارس ، قام بحرق المكتبة الموجودة هناك بكل التعاليم التي كانت موجودة فيها وجميع الكتب التي تحتويها.
* ما معنى (أفسته)؟ - كلمة (أفسته) هي اسم اللغة التي كان يتحدث بها سكان بلاد فارس التي انقرضت حالياً، أما اللغة الموجودة حالياً، فهي اللغة الهندية التي استعملت عندما هاجر من تبقى من الزرادشتيين إلى الهند.
* ما اللغة التي كتب بها كتابكم المقدس ؟ - (أفسته)، وهذه اللغة ليست موجودة حالياً ولا يتكلمها إلا الكهنة.
* وما الكتاب الموجود لديكم حالياً؟ - هذا الكتاب هو ما حفظه الكهنة وعاودوا كتابته بعدما تم حرق المكتبة بأكملها.
* ما المحور الرئيس الذي يدور حوله الكتاب؟ هل ينص على عبادة النار؟ - الكتاب يحتوي على المبادئ الأساسية لفعل الخير، وهو ينص ّ ثلاثة أنواع وهي: النار العادية التي توجد في أي مكان، وهذه النار ليست مقدسة بشكل كبير، والنار الوسطى التي يشعلها الكاهن بطريقة معينة ويقرأ عليها صلوات معينة وهذا ما يكسبها نوعاً معيناً من القدسية. أما النار الثالثة، فهي النار الموجودة في المعابد السبعة الموجودة في الهند، وهي نار مقدسة. وحتى نصل إلى قدسية عالية للنار، يجب على الكهنة أن يقرؤوا عليها الكثير من الصلوات، ويشعلوا النار ثم يقوموا بتطهيرها بين 15 و20 مرة وذلك بتصفيتها، أي تنظيفها من الرماد والأوساخ، ثم تغيير الوعاء الموجودة فيه النار مرات عديدة، ثم نقلها داخل المعبد من مكان إلى اَخر مع متابعة قراءة الصلوات حتى الوصول إلى أكبر درجة من القدسية لهذه النار.
* هل للنار أسماء؟ - طبعاً، هناك ثلاثة، أعلى نار نسميها (اَتس بيرام)، وهي النار الأكثر قدسية لدينا، والثانية نسميها (اَتس أدرن)، والثالثة تدعى (أتس دتكا).
* وماذا تعني هذه الكلمات المركبة؟ - (اَتس ) تعني النار، و(بيرم) تعني الأعلى، وكلمة (أدرن) معناها الوسط، و(دتكا) تعني نار البيت، وهكذا يصبح المعنى الأصلي لهذه الكلمات: الملك، الوزير، الخادم.
* وهل النار مقدسة لديكم بكافة أشكالها؟ - نُقدّس النار بكافة أشكالها بشكل متفاوت، لكننا لا نقيم الصلاة إلا على النار الموجودة داخل المعبد فقط. وللنار درجات، بشكل عام، أقلها هي النار التي تخرج من الفرن التي لا نصلي عليها إنما نقدسها، وثانيها هي النار التي تخرج من الحريق أو الوقود أو ما شابه ذلك فهي مقدسة أيضاً من دون أن نصلي، وثالثها هي النار الموجودة في المعبد والتي نقدم لها فقط صلواتنا.
* ماذا تقدمون للنار؟ - خشب الصندل فقط.
* ألا تقدمون لها القرابين؟ - لا نقدم القرابين أو أي شيء اَخر، لكننا نضع عليها خشب الصندل والبخور في بعض الأحيان لتبقى متقدة.
* وماذا تفعلون لو أن النار انطفأت؟ - النار الموجودة في المعبد التي نصلي عليها لا تخمد أبداً، فهناك أناس موجودون داخل المعبد هم بمثابة حماة للنار، حيث يقومون بوضع الحطب بشكل مستمر في النار حتى تبقى متقدة.
* هل لديكم أوقات محددة للصلاة؟ - بالطبع لدينا أوقات محددة، وهي خمسة أوقات نصلي فيها خمس صلوات، تبدأ الصلاة الأولى منذ طلوع الشمس وحتى الثانية عشرة ظهراً وأربعين دقيقة، والثانية من الثانية عشرة ظهراً وأربعين دقيقة إلى الثالثة عصراً وأربعين دقيقة، والثالثة من الثالثة عصراً وأربعين دقيقة إلى السادسة مساءً وأربعين دقيقة، والرابعة من السادسة وأربعين دقيقة إلى الثانية عشرة ليلاً وأربعين دقيقة، والخامسة من الثانية عشرة ليلاً وأربعين دقيقة حتى طلوع الشمس .
* وهل تقيمون الصلاة في المدة الزمنية، أم تختارون وقتاً محدداً؟ - نختار الوقت المناسب خلال الوقت المحدد لكل صلاة، ونقيم صلواتنا التي لا تتجاوز مدتها الدقيقتين.
* كيف تصلون داخل منازلكم؟ هل تشعلون النار؟ - لا حاجة إلى إشعال النار داخل المنزل. لكن في المعابد، يُقدّم الكاهن خشب الصندل للنار ويقيم الصلاة ما إن يبدأ الوقت المحدد في كل صلاة، ولدينا بعض المعتقدات المعينة، منها أننا لا نصلي للشمس والماء بعد الغروب، فما الفائدة من أن نصلي للشمس وهي ليست موجودة؟! * هل لديكم لباس معين للصلاة؟ - بالطبع، وهي صدرية بيضاء يرتديها النساء والرجال معاً، تسمى (صُدري)، وهي عبارة عن قميص قطني أبيض يوجد في منتصف قبته من الداخل (درزة) على شكل مربع من الأمام وأخرى من الخلف، توضع في الجيب الأمامي الأعمال الخيرة، وفي الجيب الخلفي الأعمال السيئة. كذلك، هناك حزام يربط على الخصر يسمى (الشاش )، وهو عبارة عن مجموعة حبال عددها 72 تجمع في حبل واحد يُلف على الخصر فوق ال (صُدري) ثلاث لفات، وعند دخولنا الحمام لا بد وأن نحلّ الحبل قليلاً لأن هذا دليل على النظافة التي هي من الأمور المهمة جداً في عقيدتنا، ثم نعاود إحكامه ما إن نخرج. . ! * ما العبارات التي ترددونها أثناء صلاتكم؟ - عبارة عن شكر لله نرددها بشكل متتابع أثناء الصلاة.
* ألا تطلبون المغفرة أثناء صلاتكم؟ - لا يوجد في عقيدتنا معنى للمغفرة، فالأفعال السيئة موجودة، وكذلك الأفعال الخيرة، وفي النهاية سنعاقب على الأفعال السيئة ونكافأ على الخيرة، لكنها ليست عملية طرح وحساب، أي لا شيء يُلغي شيئاً، ولا مغفرة تلغي اَثامك.
* ما العقاب والثواب الذي وعدتما به، إذاً؟ - هناك طائفتان في عقيدتنا إحداهما تؤمن بالتقمص ، والأخرى لا. أما الطائفة التي تؤمن بالتقمص ، وهي الأغلبية، فتقول إنه إذا كانت أعمالك الخيرة أكثر من أعمالك السيئة فستصعد إلى الجنة، أما إذا كانت أعمالك السيئة أكثر فستعود للعيش على الأرض . أما الذين تكون أعمالهم السيئة على مستوى كبير من السوء فسيرجعون إلى الأرض على شكل حيوان، وفي جميع الحالات لدينا صلوات معينة نقرؤها على الميت لمدة أربعة أيام منذ وفاته لتساعد على إعطاء السلام لروحه كي يُخفف عقابها.
* وما هي معتقدات الفئة الأخرى؟ - بصراحة، لا أدري الكثير عن معتقداتهم لكوني من أتباع الفئة التي تؤمن بالتقمّص . لكن، هناك قصة أريد أن أرويها لك عن التقمّص ، فقد حدث أن تحطمت إحدى الطائرات الهندية في بحر العرب في فترة التسعينيات، وإحدى اللواتي انفجرن في هذا الحادث هي زرادشتية حيث لم يعثر أهلها على جثتها ما جعلهم يعتقدون بأن ابنتهم ما تزال على قيد الحياة، ولذلك لم يُقيموا عليها الصلوات المخصصة بالميت، وظلت هذه الفتاة تزور أهلها وأصدقاءهم في المنام، وتطلب منهم إقامة الصلاة عليها لأن روحها لا تشعر بالاستقرار بعد وفاتها، إلى أن أقاموا الصلوات لمدة أربعة أيام واستقرت روحها.
* لكن، ما الذي قدمته لكم النار لتؤمنوا؟ - لم تقدم لنا النار المعجزات، لكننا نؤمن بأن التعاليم التي جاء بها زرادشت صحيحة، إلاّ أن هناك معجزة قدمتها النار حيث يُقال إنّ أحد الكهنة أراد أن يُجري في المعبد الموجود فيه بعض التصليحات فقام باستدعاء أحد العمال ليجري له ذلك، وعندما سأله الكاهن عن المبلغ الذي يريده مقابل التصليحات، أجابه الرجل بأنه سيأخذ منه عشرة اَلاف، وعلى الرغم من أن الكاهن لم يكن يملك هذا المبلغ فإنه وافق. لكن، ما إن أنهى العامل تصليحاته وطلب من الكاهن أجره، حتى سأله الكاهن الدخول إلى الغرفة التي توجد فيها النار لأنه شعر بأن النار ستساعده في هذا الموقف، وبالفعل هذا ما حصل، فما إن دخل العامل حتى وجد إلى جانب النار (صينية) من الذهب فأخذها.
* أليس لديكم معجزات أخرى؟ - يُقال إن هناك أموراً تحدث في إيران غريبة كالمعجزات، كأن يروا أشخاصاً يطيرون في السماء. لكن هناك معجزة حصلت في عائلتي، فعندما توفيت والدة جدة أبي أقمنا لها العزاء الذي نُقدّم فيه عادة الطعام والفواكه والشراب والشاي وكل شيء، وهذا من ضمن الصلوات التي نقيمها، وكانت ابنة عم أبي- في تلك الأثناء- نائمة، فجاءتها الجدة المتوفاة في الحلم قائلة: هل شربت الشاي؟ فأجابتها الفتاة: لم أشرب بعد! فقالت لها الجدة: وأنا أيضاً لم أشرب! فاستيقظت الفتاة وروت لعمة والدي القصة، فنظرا إلى إبريق الشاي ليجدا أنه ليس موضوعاً داخل (الصينية) بشكل جيد، وما إن وضعوه في (الصينية) وعاودوا الصلوات من جديد، حتى ظهرت الجدة لابنة عم أبي الثانية، والتي كانت نائمة في تلك الأثناء، وقالت لها: لقد شربت الشاي (. . . )! * ماذا تسمون رجل الدين؟ - الكاهن.
* من الكاهن المسؤول عنكم؟ وكم عدد رجال الدين لديكم؟ - من حق الكاهن لدينا أن يتزوج ويُنجب أولاداً، ومن حق أولاده أن يصبحوا كهنة، كذلك يحق لزوج ابنة الكاهن أن يصبح كاهناً. لكن في هذه الأيام، لا يسعى الكثير من الزرادشتيين إلى أن يصبحوا كهنة، لأن الأجر الذي يتقاضاه الكهنة قليل جداً، وهناك الكثير من الشبان الذين يحق لهم أن يصبحوا كهنة ويرفضوا الأمر; إذ إنهم يفضلون العمل في الشركات أو غيرها من الأعمال على أن يكونوا كهنة.
* ماذا عن تقاليد الزواج لديكم؟ - هناك تقاليد للزواج خاصة بالزرادشتيين، حيث يبدأ الزواج بالحمام المقدس ، وهو تأكيد على أهمية النظافة في كل أمورنا، بحيث يدخل كل من الرجل والمرأة إلى حمامهما الخاص ويغتسلان جيداً، فيما يقف خلال ذلك كاهنان على باب حمام كل من العروسين ليقرأا عليهما صلوات معينة، وعندما ينتهيان من الحمام ويخرجان، يرتدي كل منهما ال (صُدري) الخاصة به من دون وضع (الشاش ) أي الحزام. ثم يقدم لهما الكاهن قشرة الرّمان ليمضغاها وهو يتلو عليهما صلوات معينة، ثم يشربهما (بول الثور) بعد أن يقرأ عليه الصلوات ويُطهّره ويُمرّره على النار كي يطهر هذا المشروب جسدهما، ولا يجوز أن يُؤخذ هذا البول من أي ثور، بل لا بد وأن يُؤخذ من ثور أبيض لم يختلط لونه بأي نقطة بيضاء أو سوداء، ويكون هذا الثور موجوداً داخل معبد النار حيث يحافظون عليه. كذلك، لا يجوز أن يلمس العروسان أحداً حتى يربطا حزامهما، وهذا يعني أنهما تخلصا من كل الشر قبل أن يبدأا حياتهما معاً، إلى أن يجلسا على كرسيهما، وهنا يقرأ الكاهن عليهما صلواته الأخيرة ويسأل العريس السؤال الاعتيادي: هل تقبل الزواج بها، فيجيبه بنعم، ويسأل العروس السؤال ذاته فتوافق، ولإتمام الزواج لا بد من وجود شاهدين من الرجال المتزوجين حصراً.
* لكن، لماذا الثور والرمان؟ - لا أدري ما التفسير الصحيح لوجود الرمان، وبول الثور في أركان الزواج، وكل ما نعرفه هو أنهما من الأمور الجيدة التي تفيد الاثنين المقبلين على حياة جديدة.
* وهل هذه التعاليم موجودة في كتابكم؟ - بالطبع، موجودة في كتابنا، ولها تفاسير تفيد معناها.
* هل يسمح للرجل بتعدد الزوجات؟ - لا يحق للرجل سوى زوجة واحدة في كل زواج، أي لا يجوز الجمع بين الزوجات، لكنه يستطيع أن يتزوج بأخرى بعد الطلاق، وهكذا.
* لديكم طلاق، إذاً؟ - نعم.
* ما طقوس الموت لديكم؟ - لدينا طقوس معينة بعد الموت، فنحن لا ندفن الميت بعد وفاته، لأننا بذلك نلوث الأرض وهذا ما لا نريده لأننا نعد كل شيء ميت وسخاً، ونحن نقدس الأرض ولا يجوز تنجيسها، ولا نستطيع أن نحرق الجثث لأن النار لدينا مقدسة، ولا نريد أن نلوثها أيضاً.
* ماذا تفعلون بالميت، إذاً؟ - هناك برج موجود في الهند يُدعى برج (الصمت) يوجد على سطحه قضيبان من الحديد، وهو مفرّغ من الداخل حتى نهايته، كما أن الأرض محفورة من تحته، بحيث نقوم بوضع جثة الميت على القضبان الحديدية من الأعلى، فتتعرض الجثة لأحد أمرين: إما أن تتلاشى من تأثير الشمس ، وإما أن تأتي العقبان والطيور الجارحة فتلتهمها، أي تأكل اللحم في حين تسقط العظام المتبقية من خلال القضبان الحديدية إلى قعر البرج حيث الحفرة العميقة (. . . ) بذلك، نكون تخلصنا منها من دون أن نلوث الأرض والنار. لكن المشكلة التي نواجهها اليوم في الهند هي انقراض الطيور الجارحة التي كانت تلتهم الجثث، ولذلك هم اليوم يحاولون التخلص من الموتى عن طريق حرقهم بالطاقة الشمسية! * هل لديكم مثل هذا البرج في كل مكان تقيمون فيه؟ - لا، ليس موجوداً إلا في الهند.
* وماذا يفعل الزرادشتيون المقيمون في البلدان الأخرى؟ - هم مضطرون إلى دفنه أو حرقه.
* هل لديكم فترة عزاء؟ - نعم، فنحن نقيم الصلاة على الميت لمدة أربعة أيام بعد وفاته لتجد روحه السلام.
* هل تؤدون الحج أو الصيام؟ - ليس لدينا تعاليم تفرض علينا الحج أو الصوم، لكننا نرغب في كثير من الأحيان في الذهاب إلى إيران لنرى مكان نشأتنا وولادة عقيدتنا، كذلك نحب الذهاب إلى المكان الذي نزل فيه القارب في الهند، لكنّ هذا لا يسمى فريضة حج ولسنا مجبرين على القيام به.
* هل لديكم يوم عيد؟ - نعم، وليس لدينا عيد واحد بل عيدان، الأول هو عيد الربيع الذي يصادف الأول من شهر مارس / اَذار وهو عيد معروف جداً، والعيد الثاني يكون في شهر أغسطس / اَب، لكننا لا نعرف التاريخ المؤكد لهذا العيد، فهو اليوم الذي نزلت فيه الرسالة على زرادشت.
* هل لديكم شعلة مقدسة في العالم؟ - نعم، وهي الشعلة التي جلبناها من إيران إلى الهند حيث هي موجودة هناك.
* ما عاقبة الخارج على العقيدة؟ - لا يوجد لدينا عقوبات دينية.
* هل تؤمنون بالديانات الأخرى؟ - نحترم جميع الديانات والمعتقدات لأننا في النهاية لا نطلب من أحد أن يصبح زرادشتياً، ولن ينتقل أحد من العقيدة الزرادشتية إلى ديانة أخرى، حتى أننا على مر التاريخ لم ندخل في حروب دينية مع أحد.
* أخيراً. . كيف يصبح المرء زرادشتياً؟ - هناك مدرستان، الأولى تقول إن العقيدة الزرادشتية مفتوحة للجميع وأمام كل راغب باعتناقها، بينما تقول المدرسة الثانية وهي الأهم إنه لا يجوز أن يعتنق العقيدة الزرادشتية أحد، والسبب في ذلك يعود إلى قصة الملك الهندي الذي استقبلهم عند قدومهم من إيران إلى الهند، لكونه فرض عليهم بعض القوانين، منها أنهم إذا أرادوا الزواج فعليهم أن يتزوجوا من دينهم دون سواه، وإذا أرادوا أن يقيموا عرساً عليهم إقامته في الليل كي لا يتسببوا بإزعاج أحد، وهكذا أصبحت هذه القوانين سارية. لذلك، من غير الممكن أن تتغير وأن يُسمح لأحد ما بأن يصبح زرادشتياً.
* هل لديكم تحّ، مثلاً؟ - من الممكن أن يتبنى أي شخص طفلاً، على أن يكون الولد المُتبنّى من ذات عقيدتنا أي زرادشتياً فقط.
يُنسب الأولاد؟* وإلى أي الوالديْن، - لا يجوز في عقيدتنا أن يتزوج أحد الزرادشتيين من غير عقيدته، لكن في حال حدوث ذلك، يمكن للولد أن يتبع أباه أو أمه التي هي من العقيدة الزرادشتية، لكن في الأحوال العادية يُنسب الأولاد إلى والدهم.
|