كالعنقاء



من بين أقسى التجارب التي قد تمر بنا وتترك جروحها في دواخلنا تقف تجربة الطلاق. تجتاحنا وقتها مشاعر متضاربة: الألم والأسى على انهيار علاقة زوجية ظننا أننا سنكمل معها باقي حياتنا، خيبة الأمل والشعور بالذنب بأننا فشلنا، الغضب من الطرف الاَخر في العلاقة وتحميله قدراً لا بأس به من المسؤولية،

الخوف من غد يجيء علينا ونحن وحدنا في هذه الحياة القاسية، ومشاعر أخرى كثيرة تصطخب داخلنا فنرتبك ونفقد التوازن لفترة تطول أو تقصر حسب قدرتنا على التعامل مع تجربة صعبة ومؤلمة للغاية. وفي غمرة تأجج المشاعر واضطرابها نتذكر بدايات العلاقة بكل حلاوتها: الابتسامات، الوعود، الهدايا، دقات القلب إذ يستمتع بالسعادة الموعودة. ونتذكر كذلك كيف بردت المشاعر في داخلنا، بداية الخلافات، الأنانية، ضعف الإرادة وعدم قدرتنا على تغيير الطرف الاَخر أو تعديل الأحوال إلى الأفضل. إنه الجحيم بعينه. ولكن مهلاً: هل هناك من طريق اَخر من الممكن أن نسلكه في هذه اللحظات الصعبة؟ يقول سام كين (أستاذ الفلسفة في جامعة هارفارد) إن أسباب انهيار العلاقات الزوجية تتعدد. قد يكون قرار الزواج قد اتخذ قبل أن نكتمل كأشخاص ونتبين أبعاد أحلامنا وقدراتنا، ربما كنا أصغر مما ينبغي، أو قررنا الزواج كرد فعل بعد تجربة حب وزواج فاشل أو خوفاً من الوحدة. ربما تزوجنا بسبب تلك الصورة الجميلة لنا التي رأينا انعكاسها في عيون الاَخر، وربما تزوجنا بشخص يشبه أبانا أو أُمنّا. وقد يشعر أحد الزوجين بأنه قد أتم مهمته بزواج الأولاد، وأنه يهفو إلى أفق اَخر للحياة. ولكن بعيداً عن كل تلك الأسباب يتجلى الرهان الأساسي فيما إذا كنا قادرين على المرور بتجربة الطلاق بشكل فيه تحضر وإبداع واحترام; ليس فقط للطرف الاَخر ولكن للعلاقة ذاتها. وهنا تكمن كل الصعوبة. فالقليل من البشر يشحذون انتباههم وسط ألم التجربة، وهم يعرفون أنها عتبة سوف تقودهم إلى بوابات جديدة يدلفون منها إلى أنفسهم; فيرون لهم ذاتاً تموت وأخرى جديدة تولد كالعنقاء من بين الرماد.

ولأن لحظة الطلاق كما أشرت سابقاً هي لحظة اضطراب عظمى، تختلط فيها مشاعر الغضب بالذنب بالارتياح بالخوف فإن الكثير من الأزواج يهرعون إلى المحامين كي يبدؤوا إجراءات قانونية تختص بالمال والأولاد. لكن الإجراءات القانونية على الرغم من ضرورتها لا يصح أن تكون العنصر الجوهري في تلك اللحظة، وإلا أصبحت مثل الأدوية المهدئة التي تخفف من أعراض التوتر لكنها لا تمنح أية حلول جذرية. بل إنها على العكس تماماً قد تحول بيننا وبين لحظات كشف تتزامن مع تجربة الانفصال عن علاقة وهوية سابقة كي تتيح الفرصة لنمو هوية جديدة. من السذاجة أن نصور لأنفسنا لحظة الطلاق على أنها مجرد (لحظة)، مع أن هذا الفعل يأتي لينهي حياة قد دامت فترة زمنية طويلة، وامتلأت بالتفصيلات والمشاركة والذكريات والأفعال التي قام بها الطرفان معاً. يفسر لنا سام كين أن الطلاق ليس مجرد فعل يشغل حيزاً زمنياً صغيراً، بل هو عملية أطول مما نظن. إنه يضعنا على حافة طريق طويل يقودنا إلى مزيد من الوعي بأنفسنا، وبمنحنا دورة تدريبية مكثفة في معرفة الذات. ولهذه الدورة التدريبية مراحل واستعدادات لو حاولنا الاستفادة منها لربما - كما يعدنا كين - وصلنا إلى ذات جديدة تولد ولحظات كشف ترينا عن أنفسنا وعن العالم الكثير. وعن خطوات هذه الدورة التدريبية لنا حديث اَخر.

        نظرة اخرى

 

                                                                www.e-sada.com                                                                                                                                             للأعلى