توابع الذكاء الروحي 3
استكمالاً لما كنا فيه في الأعداد السابقة، حول احتياجنا للذكاء الروحي، كنواة لثمرة حياة أفضل، مهما تتابعت عليها فصول الحياة، لاتعيرها أدنى التفاتة، بل وتزيد في نموها وخصبها حتى تعانق أجنحتها، تحقيقاً لذاتها العليا، ومن ثم تبعاتها، بما حققت من مكاسب الذكاء الروحي الذي أسلفنا له في العددين السابقين.
وبالرجوع إلى العالم النفسي أبراهام ماسلو، الذي أكد أن البشر يمرون بمراحل تصاعدية من الصراع على البقاء والتطور الروحي، والمراحل الطبيعية تلك لكل البشر مهما تراوحوا بأوطانهم أو أماكنهم، فهي تتمثل في اقتسام الحاجة إلى الطعام والمأوى، وإلى الصحة الجسدية، والحاجة إلى التعليم، والعائلة، ثم إلى الاندماج الاجتماعي، ومنه إلى الإنجازات الفكرية والاجتماعية والمادية. وعندما يتم التشبع بكل تلك الحاجات، يصل الإنسان إلى المرحلة النهائية في التطور البشري والتي هي (تحقيق الذات)، ويعرفها ماسلو على أنها حالة روحية، يتدفق فيها الإبداع ما يتيح للكائن البشري أن يصبح مرحاً ومتسامحاً ومثابراً، بل ويكرس نفسه لمساعدة الاَخرين على للوصول أيضاً إلى هذه الحالة من الحكمة والسعادة، وهذا مايتفق مع مفهوم كاتبنا (توني بوزان) ويتطابق مع تعريفه للذكاء الروحي . ويرى بوزان أننا على رغم عيشنا في عالم سقيم روحياً، وقد يبدو لنا معتماً، فإنه ليس بالسوء الذي نراه، فكون الناس يشعرون بأن هناك ما يسوء، فهذا يدل على يقظتهم الروحية، فأرواحهم بالتالي لاتحتاج الا للوصول إلى طريقها الصحيح، بعد شتاتها في خضم العالم المادي، كما يؤكد الأخ بوزان أن الكوارث الطبيعية، كالزلازل، والفيضانات، والأعاصير، والحروب، على رغم حملها لنا اَلاماً ومعاناة فظيعة المدى لأعماقنا، فإنها على الجانب الاَخر، تثير في أرواحنا مشاعر التعاطف والتوحد، وأحياناً التفاعل العملي مع ضحايا هذه الكوارث، حتى إن المرفهين من البشر قد بدؤوا رحلة البحث عن مجموعة من القيم التي تعينهم في حياتهم المادية، وتكسبهم إحساساً بالمسؤولية، والانتماء للعالم الهش الذي يعيشون فيه. ومؤخراً قام جون نايسبيت، مؤلف كتاب ( mega trends 002 ) بأحد الاستفتاءات التي أثبتت ازدياد عدد الناس الذين ينتقلون من حياة المدن الكبيرة إلى الضواحي، وأطراف المدن، أو العودة إلى الريف، لأنهم بدؤوا ينفرون من المدن الكبيرة، التي تتشتت فيها أرواحهم، في الوقت الذي هم فيه أحوج ما يكونون في هذا الزمن ذي الروح الحديدية، إلى التواصل مع أنفسهم، ومع الطبيعة أمهم، ليستردوا هدوء أرواحهم من جوف اللهاث وعنق الأرق، بسبب مبيدات المادة المتراكمة والمتكلسة في المدن الكبيرة، وهم بهجرتهم تلك يتوجهون بذلك إلى تغذية أرواحهم بدلاً من استنزافها. وعلى حد قول رالف والدو أنرسون (إن الرجال العظماء هم الذين يؤمنون بأن الروحانيات أقوى وأهم من أية قوى مادية). ويضرب لنا توني بوزان مثلاً ومثالاً في أولمبياد عام 2000 الذي أقيم في (سيدني) فيقول: لقد جسدت أستراليا مثلاً حياً، لفوائد واَثار استخدام الناس لذكائهم الروحي، فلمدة أسبوعين تغلب سبعة عشر مليون شخص ، على أصعب المشكلات التي تتعلق بنقل الأفراد، وإيوائهم وتموينهم، وتحملوا كل أنواع الضغوط، واضعين كل الاعتبارات الشخصية جانباً، من أجل الاعتناء بالاَخرين، وقد تطوع الملايين من الأشخاص للتبرع بوقتهم وجهدهم وأموالهم، من أجل الاحتفاء، بالإنجازات البشرية، حتى إن المعلقين من جميع أنحاء العالم، أصيبوا بالدهشة لمشهد وصوت الأشخاص الذين قاموا بتكوين مجموعات ذاتية لمساعدة الاَخرين في القطارات والقوارب والطائرات، وزادت دهشتهم اتساعاً لروح البهجة والمرح اللذين عمّا البلد بأكمله، وخلقا جنة مؤقتة على الأرض .