الشهرة: فاكهة لذيذة.. وحنظل مر

مبدعو اليمن يفكّكون أسرارها

 

 

في كل بلد عربي، ثمة شريحة من المبدعين نالت نصيبها من الشهرة، وتتصدر المشهد الثقافي والإعلامي، وأخرى مغمورة ارتضت السكن في الهامش ، على الرغم من أن أعمالها تكتنز من الإبداع ما قد يفوق في جودته، ما تقدمه بعض الأسماء ذائعة الصيت . . ما يدفعنا إلى التساؤل: من يصنع شهرة المبدع؟ وهل جودة المنجز الإبداعي هي محك الاستحقاقية؟ أم أن ثمة قانوناً اَخر هو الذي تسير عليه مصانع الثقافة الرسمية وغير الرسمية في إنتاج وتعليب المثقف، ما يجعلها تقذف إلى الساحة كل يوم أسماء ونصوصاً مغلفة بإصرارها على تجاهل ذائقتنا؟ تلك تساؤلات يخلص إليها كل متابع لجديد الإصدار الثقافي العربي; فالفساد لم يعد اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، بل امتدت رقعته، لتشمل كل شي بما في ذلك الثقافة ، فصار هناك فساد يتحكم حتى في صناعة المثقف في أجهزة الإعلام. . تلك حقيقة إذا لم نسلم بها اليوم سنتيقنها في الغد، بعد أن يكون (قانون الطفو والإزاحة) قد وطن المبدعين الحقيقيين في الحواف، وصار (المزيفون) يتوارثون المراكز. سيقودنا ذلك إلى كثير من التفرعات والتفاصيل قد يضيع معها موضوعنا ، ما يجعلنا ندعها لنعود ونؤكد حصر موضوعنا في التساؤل التالي: من يصنع الشهرة؟ هل هي الجودة، أم شيء اَخر يجهله أو يرفضه أو يعجز عنه أولئك المغمورون من المبدعين الحقيقيين؟. . إيصال النص إلى القارئ ، هو مراد الكاتب. لكن يبقى بين الكاتب والقارئ وسيط (ناقل) هي وسائل النشر، وأجهزة الإعلام. . وهنا يفترض أن يلعب هذا (الوسيط) دور الحكم على جودة النص ، قبل دور (الناقل); فهل يلتزم الإعلام هذا الدور؟ أم أنه قد صار رهينة السياسي والثقافي و(الأخلاقي)، ومن خلال مواقفهما صار يمنح صكوك الإشهار لأسماء بعينها، دون أي اعتبار للمعايير الفنية لجودة منجزاتهم الإبداعية؟. . أم أن دوره لا يتجاوز (الناقل) ويبقى القرّاء هم الحكم النهائي؟. . . أسئلة كثيرة ناقشناها مع عدد من الأدباء والكتاب اليمنيين.

الشهرة ونظرية الطفو ربما في كرة القدم التي بها صفارة ومحكمون وخطوط جزاء ونتائج معلنة. . تتكفل أقدام اللاعبين ومهاراتهم بتحقيق الشهرة والحظوة، وكل بحسب إسهامه وجهده. . تستدرك الروائية والشاعرة والقاصة نبيلة الزبير: لكن المسألة في الشعر والأدب عموماً تختلف كثيراً. . وفي المدن العربية التي زرتها، كنت أبحث دائماً عن شعراء خارج الشاشة، يصلح أن أسميهم (شعراء الظل)، ويسخر مني أحدهم (شاعر كبير) ظللت ألح عليه : أريد أن أتعرف إلى شعراء (خارج الكادر): شعراء غير الذين تقدمهم الحكومة. . غير المتصدرين، لقناعتي بأن الذين يتصدرون المشهد; ليسوا بالضرورة يخدمون الثقافي لكن يكفي أنهم لا يشكلون تحدياً له، ولا تهديداً، ولا يغايرونه. وهؤلاء عادة يسهل وجودهم، ويحدث ببساطة بالتلقائية، التي تطفو بها الأجسام الصماء والقش ، وكل ما له (خفة) على الماء. . تتابع نبيلة الزبير : إلى جانب هؤلاء البارزين (بالطفو) ، وفي نفس الساحة (الكادر) هنالك شعراء متحققون وبجدارة ، وأصبح وجودهم في المشهد الثقافي حتمياً. . لم يعد بوسع أحد إنكارهم. وتضيف نبيلة: هنالك كتاب وكاتبات أثقلهم نصهم. . كان نصهم ثقيلاً ولا يقبل أن يطفو. . الشهرة شيء اَخر. . وليست بالضرورة حليفة الإبداع. توضح: ربما في مدن أخرى من تلك التي يكفي فيها المبدع أن يضع طابع بريد على مغلفه وينساه ليذكره به خبر نشره في جريدة. . وليراه مصادفة في يد قارئ. . ويصله الحق الفكري إلى عنوانه. . وتتصل به قنوات الإعلام من دون أن تكون قد عرفتْه أو (توسط) له عندها أحد. . إنها تبحث عنه بإلحاح لأن العمل الذي قدمه طار في الناس ويريد الناس أن يروا هذا الذي يطيّر وجداناتهم. وتستطرد الزبير: الشهرة اشتغال وعلاقات وفن. وفي العالم (الأول) (على اعتبار أننا الثالث) هو فن، أدواته الإبداع والمبدعون ويشتغل به أناس مؤهلون أكاديمياً يصبح لك ككاتب، وكيل يتعهد كتابك ويقدمه ويروج له ويسوقه. . وتكون الشهرة واحدة من (المحصلات) بوصفها واحدة من الحقوق المادية والمعنوية. . تخلص : هنالك مبدعون اتسعت موهبتهم لفن تقديم الذات والترويج لنتاجها. شخصياً، لا أندرج في هؤلاء. . هذا إذا لم أكن على النقيض منهم. أكثر من ذلك: هنالك شواهد وتفاصيل يمكن لها أن تدينني في هذه الموضوعة سلباً.

السياسي والسلطوي بالنسبة له، فالشهرة ليست دليل جودة في الغالب. . يؤكد الناقد عبدالله علوان أن لا تلازم ما بين الشهرة والجودة إلا في حدود ضيقة جداً. . معتبراً الموقف السياسي والفكري والأخلاقي للكاتب وللمؤسسة الإعلامية والثقافية هو العامل المهم الذي بات يتحكم في صناعة الشهرة في البلدان العربية. . يقول: دعنا نعود قليلاً إلى الوراء، فالشاعر حسان بن ثابت هو شاعر أخلاق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وحظي بشهرة واسعة، على الرغم من أن شعره لا يرتقي إلى مستوى شعر الحطيئة، الذي كان أقل شهرة من حسان. فالموقف الأخلاقي من حسان باعتباره شاعر الرسول جعله أوسع شهرة من غيره ممن هم أفضل شاعرية منه . ويتابع: وأحياناً يكون الموقف العائلي مؤثراً، فشاعر بني أمية (الأخطل ) امتلك شهرة طاغية تفوق شهرة جميل بثينة وهو من أجمل شعراء الغزل العذري ، وكان هناك شعراء اَخرون ينافسون (الأخطل) مثل جرير وقيس بن الملوح وقيس بن ذريح وكُثير عزة لكن بقيت شهرة (الأخطل) طاغية . وفي العصر الراهن. . يواصل الناقد علوان حديثه قائلاً: نجد مثلاً الشاعر أدونيس يحظى بشهرة طاغية لعب في صناعتها موقفه السياسي الفكري الإشكالي، لكن في الجودة لا يوازي شعره جودة شعر خليل حاوي وكذلك نجد شعر بدوي الجبل أكثر جودة من شعر سليمان العيسى، لكن العيسى أكثر شهرة لأنه ارتبط بحزب البعث. . . ما أريد قوله أن الشهرة لا تتلازم مع الجودة وإنما مع الموقف السياسي والموقف الفكري، وإلا لماذا تغيب عن قراءاتنا قصيدة الشاعر الخليجي فهد العسكري، أو الشاعر القروي ، أو غيرهما من المبدعين المجيدين والمغمورين في الحواف؟! ويرى (علوان) أن المؤسسات الإعلامية والثقافية صارت مطية السياسي والسلطوي ومن خلاله صارت تسير فيها صناعة شهرة المثقف. . فالإعلام هو في الأصل يمثل وجهة نظر سياسية وأحياناً يرتبط الشاعر بعلاقات حميمة بمؤسسة سياسية مثل مؤسسة السلطة، فيتم تلميعه وإبرازه باعتباره مثقف سلطة . فالشهرة تعتمد غالباً على عامل سياسي ، وقد يكون عاملاً أسرياً مثل شاعر بني أمية ، وقد يكون عاملاً أخلاقياً مثل شاعر الرسول أو الشاعر أبي تمام الذي ارتبط بالخليفة العباسي المعتصم.

يتابع : صنعة الإعلام تلعب دوراً في هذا الجانب بدليل أن عدداً كبيراً من شعراء اليمن وبخاصة الشباب، مغمورون مثل محمد علي الجرادي ومهدي علوان الجيلاني وغيرهما كثير، على الرغم من أنهم يكتنزون إبداعاً يفوق ما تظهر به العديد من الأسماء الكبيرة. وهؤلاء المغمورون تكاد تطمسهم الساحة لأن موقفهم يغاير الموقف السياسي العام، ولأنهم ينادون بالخروج على ثقافة الإبداع السائدة; ولهذا هم على الهامش في الحواف.

استنكاف الشهرة الروائي وجدي الأهدل يخالف الناقد عبد الله علوان في بعض ما طرحه، ويرى أن لا الإعلام ولا السياسة مَنْ يصنعان الشهرة وإنما القراء وحدهم من يصنعون شهرة الكاتب. . يقول : قبل عشر سنوات أزجى لي أديب متقدم في العمر هذه النصيحة: ( عليك أن تتعب لإنجاز كتاب واحد، وبعد ذلك حتى لو كتبت هراءً محضاً فإنه سيأخذ طريقه للنشر). صاحب هذه النصيحة هو ذاته اتبع نصيحته، وسار عليها طوال حياته، ولكن كتبه اليوم لا أحد يتحدث عنها، وبالكاد يظهر اسمه في الأعمال الببلوغرافية. يستطرد وجدي: هذا الأديب اكتشف نقطة الضعف التي تعانيها وسائل النشر، وبالتالي استسلم للكسل والاسترخاء، مهدراً أجمل سنوات العمر في الكتابة بقلم بارد يتمطى ويتثاءب بين أصابعه مكرراً نفسه إلى درجة السأم. ويؤكد: أي قارئ هو حساس لدرجة حرارة الكتابة، ولذا فإن الأعمال الاَتية من القطب الجنوبي، وليست نابعة من القلب، تفشل في الوصول إلى الناس - بغض النظر عن شهرة مؤلفيها- وتتراجع إلى النسيان. وعندما تسألني: من يصنع شهرة المؤلف وسائل الإعلام أم النص الجيد؟ سأقول: لا هذا ولا ذاك، والجواب الصحيح: القراء. الأسبوع الماضي التقيت أديباً يزعم أن الشهرة لن تعرف طريقها إليه; لأنه يكتب نصوصاً عالية القيمة، إلى درجة أن العالم بحاجة إلى ثلاثة قرون ليتمكن من فهم إبداعه، وهو يرى الشهرة الأدبية عيباً، وأي أديب يسعى إليها هو بمثابة مجرم منحط، يستحق التجريح والطرد من جنة (الأدباء الحقيقيين). ويستطرد: هذا المرض - مرض استنكاف الشهرة - منتشر مع الأسف في الوسط الأدبي، لأن قائله بلا شك شخص منافق يتحرق شوقاً من أعماق أعماقه لنيل الشهرة، ولكن انصراف القراء عنه يحيله إلى كومة من الحسد والنميمة الخبيثة! إذا كان لا يبحث عن الشهرة فلماذا يحرص على النشر؟! لنكن صادقين مع أنفسنا، الشخص الذي لا يريد الشهرة سوف يكتفي بالكتابة لنفسه من باب المتعة أو الفضفضة، لكن لن يخطر بباله أن يرسل ما كتب لوسائل النشر. لكن هل الشهرة تعني جودة العمل الأدبي؟ يجيب: بالتأكيد ليس في كل الحالات، ولكن جودة العمل الأدبي هي التي ستقود صاحبها إن عاجلاً أو اَجلاً إلى أن يكون ذائع الصيت.

غياب المعايير ما طرحه الروائي وجدي الأهدل لا خلاف عليه; فجودة النص منطقياً يفترض أن تقود إلى إشهار صاحبه. . يستدرك الشاعر والصحافي محمد علي الجرادي قائلاً: لكن ذلك في حال التزمت المؤسسة الإعلامية والناشرة المعايير الفنية والنقدية في قياس جودة النص . . لكن ما هو حاصل هو أن هذه المؤسسة غيبت هذه المعايير وصارت العلاقات الشخصية والمواقف السياسية وغيرها هي من تحدد صلاحية هذا النص للنشر من عدم النشر; فصارت تقذف في وجوهنا كل يوم من تريد من الأسماء التي تريد تلميعها، وتزيح عن المراكز وتبعد عن الإشهار من لا ترضى عنه أو - بالأصح - لا يرضون عنها. يؤكد الجرادي: يفترض أن تكون الجودة هي الممر إلى تصدّر المراكز وذيوع الصيت ، لكن للأسف الشديد هذا غير وارد! ويعتقد الجرادي أن تغاضي المثقفين والمبدعين عن الوقوف إزاء هذه المشكلة قد زادها غموضاً وتعقيداً ، وفاقم من اَثارها السلبية على الحياة الإبداعية والثقافية عموماً. . يقول: صارت المؤسسة الإعلامية والثقافية تُغيب المعايير الفنية في تعاملها مع النص الأدبي ، وسادت معايير أخرى صارت هي من تصدر الشهرة وتمنح المراكز لمن لا يستحقها ، ولهذا نجد اليوم عدداً من الصحافيين المسؤولين عن الصفحات والملاحق الثقافية تنطلق أحكامهم على النص من العلاقات الشخصية أو موقف الكاتب أو المؤلف وأيضا شهرته، فإذا كان الكاتب قد نُشر له كثير في السابق; فستتم الموافقة على نشر نصوصه باستمرار، حتى لو كانت غثاء، بينما نصوص كاتب مغمور ستذهب إلى سلة المهملات، حتى لو كانت جودتها تفوق أعمال ذائعي الصيت. . وكذلك الناقد، فمعظم ما يكتب في النقد هو مجاملاتي للأسف! . . . ومثل هذا له اَثاره المدمرة لذات المبدع; فقد يلجأ- بعد محاولات يائسة في إيصال نصه إلى القارئ - إلى الانكفاء على ذاته بعيداً عن الناس ، محبطاً، وقد تتدهور حالته النفسية، إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو يجد من هم دونه يتصدرون الصف! . ويخلص الشاعر الجرادي مؤكداً: إننا بحاجة إلى معايير حقيقية لقياس جودة الإبداع، وإعطاء النص الجيد حقه ومكانته الحقيقية. . ربما لا أعني إهمال النص غير الجيد، لكن يجب أن نشجع الناس على الإبداع، وأن يأخذ النص الجيد مكانته الحقيقية. . ومسؤولية كهذه تلقى على عاتق الإعلام أولاً.

شهرة غير طبيعية لكن هناك من يعزف عن الشهرة من ذات نفسه ، ليس استنكافاً منها، وإنما لانشغاله بما يراه أهم، وهي القضية الوطنية. . يؤكد القاص زيد الفقيه مدير عام دار الكتب بصنعاء، أن ثمة مبدعين كباراً في نصهم، لكنهم عزفوا عن الشهرة وزهدوا بها لانشغالهم بهموم كبيرة، هي قضايا الوطن، ومن هؤلاء في رأيه: الشاعر الكبير يوسف الشحاري والكاتب عمر الجاوي والشاعر محمد الربادي وغيرهم. يوضح: ما أريد قوله، إن افتقاد الشهرة ليس دليلاً لافتقاد الجودة والعكس صحيح; فالشهرة أحياناً ليست دليلاً على جودة نص صاحبها، لكنها من وجهة نظري في الغالب تعني الجودة في حالاتها الطبيعية، لكن القليل هو الذي يمتلك الشهرة من دون جودة، وهنا يكون قد تدخل عامل غير طبيعي في صناعتها، كعامل سياسي أو إنساني، مثل أن تعترض جماعة أو فئة أو جهة، طريق أديب أو صحافي أو كاتب، وتحاول تعريض حياته للخطر، أو زجه في السجن، لأسباب معينة; فتتعاضد معه وسائل الإعلام، ومختلف الفعاليات في الساحة ، بما فيها المنظمات الإنسانية، وهو حينئذ يحظى بالشهرة. لكن هذه حالة غير طبيعية في اعتقادي، وقد يكون صاحبها مجبراً عليها، وقد يكون غير راض بها.

تسليع الكتابة بعيداً عن تسليع الكتابة على أساس الشهرة يؤكد الشاعر والكاتب محيي الدين جرمة أن النص والمبدع مقترنان ببعضهما كظل يأتلف حيناً ويتقاطع في حالات أخرى كثيرة مع انكسارات أحزانه وشموسه. . . بمعنى اَخر; النص هو شخصية الكاتب وبصمته. وهو أيضاً أنامله، التي تختلف في اليد الواحدة كاختلاف الليل والنهار. والشهرة بهذا المعنى هي النص عينه، وهي الكاتب ذاته. . نص الكاتب أو الأديب أو الشاعر أو أي مستهلك في فضاء الكتابة أو سوقها، إن جاز التوصيف، هو شخصيته، وموقفه سواء أكان سالباً أم موجباً. ويستطرد محيي الدين: وكل شهرة لا تعني بالضرورة شهادة على نص لجودته مثلاً أو لحظوة صاحبه أو كاتبه في الوصول والاتصال أو التواصل. البعد الإعلامي هنا هو المسيطر، ضرورته صارت طبيعية بل (وحتمية) كاَلة توصيل خطاب. لكن السؤال الذي قد يستوجب طرحه هنا : إلى أي مدى يستطيع الكاتب إيصال نصه أو خطابه عبر هذه الاَلة أو تلك الوسيطة السمع بصرية؟! . . وفي حال كهذه - والحديث لا يزال للشاعر محيي الدين - تتحكم الأطر والدور والمؤسسات في تكييف الخطاب، وفقاً لوجهات نظر مختلفة، حسب الغايات السياسية والاقتصادية أو الثقافية، وبمقتضيات المصالحية والمعايير والأمزجة، التي عادة ما تحكم مسارات متعددة ، تنتظم خلالها مستويات معينة. ويتابع محيي الدين جرمة: ونجد أمامنا غير ظاهرة شعرية ونقدية مصنوعة، فلا يعني أن ما يكتبه الكاتب أو الشاعر في حال كهذه ذو جودة توازي حجم احتضانه إعلامياً أو سياسياً كونه يمثل صفة ثقافية ذات بعد سياسي مثلاً أو يتبع دين ملكه كما يقال . ومن الوهم تصور أن سلطة سياسية قد صنعت شاعراً عبر التاريخ . فلقد كان المتنبي مثلاً هو من صنع المتنبي، كما أن هذا الأخير هو من صنع (سيف الدولة) بشعره حتى اليوم. ولعل المتنبي شعرياً حتى اليوم لم يُقتل كما تقول الروايات بسيف (فاتك الأسدي) أنا أُكذب الرواة ولو صدقوا; لأن المتنبي، وحتى اَخر قصيدة نثر عربية تكتب في هذه اللحظة، وجد في حي الوراقين بشارع الرشيد ببغداد مطعوناً ب(سيف الدولة) كما أن الشعر العربي اليوم والمستقبل العربي اليوم مطعونان كذلك ب(سيف الدولة)، ذلك أن بعض الشعراء والكتّاب لا يجدون وسيلة لبضاعتهم أو لشهرتهم المزيفة سوى السياسي، متوهمين بذلك المجد أو الشهرة، التي لا تتم عادة إلا على حساب الشعر والمجتمع أو الموقف الثقافي والإنساني، الذي أعده من أبرز طرق وصول الكاتب أو الشاعر الذي يصنع قصيدته وموقفه من دون أن يصنعه أحد، ومن دون أن يكون مجرد صنيعة المصنوع بالمعنى الثقافي والسياسي في اَن معاً. درويش شاعر كبير لم يصنعه إنسان; لأنه جبل من طينة الشعر والألم والأمل معاً. البردوني كذلك صنعته الرؤية، التي هو ابنها وبانيها بالمعنى الكلاسيكي. أنا وغيري من الشرفاء في رصيف الغياب اليمني وعلى حواف المدن الاَهلة بالفراغ لم يصنعنا أحد. وبمعنى اَخر كل شهرة لا يصنعها النص أو كاتب النص ولو بعد حين. كل شهرة لا تصنعها الكتابة ذاتها لذات الكتابة وأخلاق الحياة. كل شهرة لا تصنع موقفاً بالمعنى الجمالي والذائقي للإنسان هي محض شهرة لسعادة جلاد على أنقاض شعب بكامله أو أمة بكاملها.

 

 

   

 www.e-sada.com                                                                               للأعلى