الروائية السعودية زينب حفني: أنا كاتبة فضائحية

   

متخصصة بكشف العلاقات المحرمة بين النساء

 

تجمع الأديبة السعودية زينب أحمد حفني أصنافاً متعددة من فاكهة الأدب في سلة واحدة، فهي روائية، وقاصة، وشاعرة، وكاتبة عمود أسبوعي، وقد تذوقت، وأذاقت القراء معها، بعضاً من فاكهتها من خلال سلسلة إصدارات; بدأت ب (رسالة إلى رجل) عام 1993، وهو كتاب يضم مجموعة نصوص نثرية، تصفها بأنها نصوص وجدانية كُتبت بروح الشعر، ثم أصدرت الكاتبة بين عامي 1994 و 2000 ثلاث مجموعات قصصية، هي: قيدك أم حريتي، نساء عند خط الاستواء، وهناك أشياء تغيب. وقد أثارت مجموعتها (نساء عند خط الاستواء) جدلاً واسعاً في الساحة السعودية عند نشرها عام 1996م، لما تميّزت به من جرأة، وتعدٍ على الخطوط الحمر الكثيرة في مجتمعها

بعد القصص وفنونها وخطوطها، عادت حفني إلى فاكهة الشعر ثانية، لتصدر كتاباً بعنوان (إيقاعات أنثوية) عام 2004.

ولم تقف الكاتبة المولودة في مدينة جدة، عند هذا الحد، فبعد استراحتها الشعرية القصيرة، أقدمت على مغامرة إبداعية جديدة، مقررة تذوّق طعم الرواية، فقدمت إلى قراء العربية ثلاث ثمرات، الأولى تمّت طباعتها في القاهرة عام 1998م (الرقص على الدفوف)، والثانية صدرت عن دار الساقي عام 2004، وكانت بعنوان (لم أعد أبكي)، والثالثة بعنوان (ملامح) وصدرت عام 2006 عن الدار نفسها.

غير أن زينب المتخرجة في كلية الاَداب بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، عام 1993، لم تكتف بالأدب وأصنافه الطيبة، بل قررت أن تمارس دورها في مهنة المتاعب، فدخلت عالم الصحافة من أوسع أبوابه منذ العام 1987، وتنقلت بين عدد من الصحف والمجلات السعودية والعربية، واستقرت ككاتبة مقال أسبوعي في جريدة (الشرق الأوسط) على مدى خمس سنوات. وانتهى بها المطاف أخيراً في جريدة (الاتحاد) الإماراتية بمقال أسبوعي. تحرص من خلاله على تسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية في القضايا الساخنة التي تشغل الساحة العربية.

ولأن كتابات حفني جريئة، وتثير الكثير من الزوابع حولها وعليها، وخاصة مجموعتها (نساء عند خط الاستواء) التي شكّلت صدمة مروعة داخل المجتمع السعودي، لجرأة محتواها في تعرية الواقع والكشف عن المستور، سألناها أولاً: لماذا اخترت المواجهة، ألا تخشين هجمات* المعارضين. . وهم كثر وقساة أيضاً؟ أجابت الكاتبة السعودية بعد أن أطرقت للحظات وكأنها تستجمع شتات أفكارها: - بداية أؤكد لك بأن كل ثورات التغيير في كافة المجتمعات، لم تحدث في طرفة عين، بين يوم وليلة. ولم تصل إلى ما وصلت إليه، وهي مسترخية على وسائد حريرية، بل قامت بفضل أبنائها المتنورين الذين سبقوا زمانهم بتطلعاتهم. وفي كل مجتمع هناك أكباش فداء قدموا أنفسهم على مذبح الحياة، لكي يحققوا ما حلموا به وفيه النفع للأجيال القادمة. والنساء، ضحايا مفاهيم وموروثات اجتماعية كثيرة، كلها تقوم على قاعدة ذكوريّة. الفكر ذكوري، والأدب ذكوري، والحياة كلها ذكوريّة! ! وعليه وجدتُ أن دوري الإنساني، والثقافي، يتطلب مني أن أضع إصبعي بجسارة على اَلام ومشكلات مجتمعي، وخاصة قضايا المرأة ومشكلاتها مع الرجل. هذه هي قضيتي التي أصرّ على مواصلة نضالي فيها، وأنا على أهبة الاستعداد لمواجهة المعترضين من العقول المتعصبة. لكن، على رغم هذا العراك اليومي، فأنا متفائلة، ثمة انفراج الاَن يلوح في الأفق، صحيح هو انفراج بطيء، لكنه أفضل من لا شيء.

يقول بعض النقاد إنك أول من* تجرأ من الكاتبات، وكشف المستور والمسكوت عنه في الثقافة السعودية، ما تعليقك؟ - نعم أنا رائدة فن كشف المستور داخل السعودية، وأنا أول من فتح الباب من الأديبات السعوديات لتجربة هذا النوع من الكتابة الفضائحية الموجودة اليوم داخل المجتمع الثقافي السعودي، لكنني لم أكتب نصوصاً فضائحية كالتي في صحف (التابلويد)، من أجل الشهرة وجني المال، بل كتبت فناً أدبياً راقياً، وسعيتُ لأن يكون لي أسلوبي الخاص ، طرحت من خلاله رؤيتي حول سلبيات مجتمعي، وكشفتُ عما يدور في الطرقات والحواري الخلفية! ! ، ما يجري الاَن في السعودية يشبه ثورة ثقافية، فيها الغث وفيها السمين، وكل الثورات في العالم تداخلت فيها السلبيات والإيجابيات عند بداية ظهورها، لكن في النهاية يذهب الزبد ولا يصح إلا الصحيح.

لكن الأدب الفضائحي، إن صحت* التسمية، أصبح وسيلة للشهرة السريعة، أكثر مما هو كشف للحقيقة؟ - الأدب الفضائحي ليس دخيلاً علينا، فهو موجود في تراثنا الفكري. وأنا ليس عندي اعتراض على توجه الأدباء والأديبات الشباب لهذا النوع من الأدب، إذا كان الغرض منه نزع النقاب عن السلبيات الموجودة في المجتمع. لكن الملاحظ أن إنتاج الرواية أصبح مثل فتح صالون حلاقة، كل من هبّ ودب صار يمتشق القلم، ويكتب بدون أن يمتلك أدوات الكتابة الفنية، وبعضهم لا يعرف حتى أبجديات فن كتابة الرواية، ولا يُفرّق بين الحكاية والرواية، وهذه مشكلة لأن الجنس الروائي من أصعب الأجناس الأدبية، ويجب على الجيل الجديد من الأدباء السعوديين أن يفهموا شروط هذا الفن، وأن ينتهجوا أسلوباً خاصاً بهم يُبرز هويتهم، قائماً على بناء لغوي سليم، ومخزون ثقافي ومعرفي عميق، وكمٍ من التجارب الحياتيّة، قبل أن يلجوا في هذا العالم.

* حدثيني عما واجهته من متاعب ومشكلات، بوصفك كاتبة تجرأت ووضعت يدها على الجرح، خاصة في مجموعتك القصصية (نساء عند خط الاستواء)؟ - أعترف بأنني حملت وزر هذا الكتاب سنوات، ودفعت بعد صدوره أثماناً غالية، فقد مُنعت هذه المجموعة من السوق، وما زالت محظورة إلى اليوم! ! ومنعت حينها من السفر، حتى الإعلام الثقافي السعودي تجاهلني تماماً، على رغم أنني من رائدات فن القصة القصيرة والرواية في السعودية، بل لا أبالغ إذا قلت إنني أول من حرّك الساحة الأدبية بنتاجي القصصي والروائي، مع هذا ما زال يتم إقصائي عمداً عن كافة النشاطات الثقافية التي تقوم داخل بلادي، في الوقت الذي تتهافت الدول العربية على دعوتي للمشاركة في الكثير من نشاطاتها الثقافية! ! * وهل أنت نادمة على إصدارك تلك المجموعة؟ - لست نادمة، لم ولن أندم يوماً على أي حرف خطّه قلمي لأنني أكتب من منطلق قناعاتي. للأسف، الشخصية العربية تقوم على جلد الذات وتقريع الاَخرين، وتحب النبش طوال الوقت في قبور الماضي، لذا ما زال الناس والنقاد لا يذكرون لي إلاّ هذا الكتاب الذي أثار حينها ذلك الزلزال المدّمر في أوساط مجتمعي.

خذ مثلاً الروائي المغربي محمد شكري ظل الجميع يتحدث عن روايته (الخبز الحافي) على الرغم من أنه كتب الكثير من الأعمال الجميلة التي لا تقل أهمية، لكن، ظلّ الجميع لا يتحدّث إلا عن هذا الكتاب! ! * يحلو لبعض النقاد والكتاب أن يقسم الأدب تقسيماً حسب الجنس ، بمعنى; أدب المرأة وأدب الرجل، هل تنحازين لهذا التقسيم؟ - أنا أرفض التقسيم للأدب، بين ذكوري وأنثوي. أدب المرأة هو أدب إنساني، وحتى أكون صادقة معك علي ألا أنكر أن هناك نفحة أنثوية في كتابات المرأة، تنعكس في كتاباتها التي تُشكّل طابعها الخاص ، حيثّ فيها نغمة أنثوية خالصة، وذلك لقدرة المرأة على مراقبة التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية. لكن هذا لا يعني موافقتي لما يردده بعض النقاد بأن كتابات المرأة مجرد بوح داخلي، تدور حول همها الخاص ، وأن نتاج الأديبة ليس له دور في حركة التطوير الثقافي. هذا اتهام زائف، ومن هذا المنطلق أرفض هذا التصنيف القائم على التمييز العنصري تجاه فكر المرأة. برأيك. . لماذا تجاهلتك الصحافة* الثقافية، لماذا هاجمك نقاد الأدب في السعودية، هل لأنك امرأة كاتبة فقط؟ - معظم النقاد في السعودية كتبوا سلباً عن تجربتي الأدبية، وأعتقد أنهم سلكوا هذا المنحى رغبة في مجاملة مجتمعي المحافظ الغاضب من تجربتي، والتي أعتقد بأنها لو صدرت عن رجل لمرت مرور الكرام! ! لم أقرأ إلى اليوم ناقداً أنصف تجربة زينب حفني، أو حاكمها بموضوعية، الكل بلا استثناء شارك في مقاضاتي من دون أن يستخدم أدواته النقدية بنزاهة وموضوعية، علماً بأن هناك روايات نسوية هزيلة وركيكة، هلل لها بعض من النقاد السعوديين بخبث، كأنهم تعمدوا أن يقولوا إن هذا أقصى ما يمكن أن تقدمه الأديبة السعودية! هل لأن كتاباتك جريئة، أم لأسباب أخرى؟* - يوجد نتاج أدبي في السوق أكثر جرأة من كتاباتي، ومصرح له بالبيع، لكن الغريب أن الرقابة، للأسف، تتعامل مع نتاج زينب حفني من خلال اسمي الموضوع تحته خطوط حمر كثيرة، وليس من خلال محتوى الكتاب. ما يؤلمني حقاً أن معظم أعمالي لا تباع داخل بلادي.

وهل سيستمر هذا* الموقف من كتاباتك طويلاً، أليس هناك ثمة انفراج كما تقولين؟ - نعم هناك انفراج وإن كان طفيفاً، أنا متفائلة الاَن، لكنه تفاؤل بسيط، ففي معرض الكتاب الأخير في الرياض تم فسح المجال لكتبي، وأجد في هذا بارقة أمل لكافة المبدعين المحظورة كتبهم في الداخل. كما قرأت أن هناك بعض الأديبات الصاعدات قمن بتوقيع كتبهن في أروقة المعرض ، وهذا أيضاً يُشكل صورة إيجابية جميلة. . متمنية من كل قلبي أن تختفي كلمة رقيب على الكلمة من حياتنا.

كيف تفهمين كتابة الرواية،* وما الحكمة التي توصلت إليها بعد تجربة ثلاث روايات؟ - ذكرتني بالشاعرة الجميلة ميسون القاسمي، التي التقيتُ بها في مهرجان الدوحة الثقافي السادس . سألتني. . كيف استطعت دخول هذه المناطق المحرمة من دون أن ترتجف يداك؟! أجبتها بأنني امرأة انتحارية، وعندما أفكر في الانتحار لا أنظر لاعتبارات المجتمع، وماذا سيقول الناس عن الأسباب الخفية لانتحاري. قلتُ لها بأن كل منطقة محظورة اخترقتها بقلمي، تُمثّل موقفاً لي من الحياة. إنني أثأر من الحياة نفسها بأن ألطم كل ما فيها بقلمي! ! الرواية بالنسبة لي ثأر متواصل مع الحياة بكل ما فيها من تناقضات وسلبيات.

حدثيني عن روايتك الأخيرة (ملامح)،* خاصة وأنك تطرقت فيها إلى الخيانة الزوجية، والعلاقات الشاذة؟ - في روايتي الأخيرة (ملامح) صورت العلاقة بين المرأة والمرأة، وقد تناولت العلاقة (المثلية) بين النساء; بين بطلة الرواية ثريا وصديقتها هند، وقد بينت من خلال هذه العلاقة، كيف تجبر الظروف الاجتماعية المرأة على ولوج هذا العالم إذا وجدت الطرق أمامها مسدودة لإشباع رغباتها الفطرية والغريزية من طرف زوجها. لذا ترى أحياناً أن المجتمع يغض الطرف عن العلاقة بين امرأتين، ولكنه لا يتقبل العلاقة بين المرأة والرجل على الرغم من أنها العلاقة التي أوجبتها شريعة الحياة، وهذا يعني أن ثمة خللاً في نظرة المجتمع للعلاقات الإنسانية بصفة عامة، ولعلاقة الرجل بالمرأة بصفة خاصة. لقد كتب الناقد الفلسطيني عادل الأسطة عن روايتي (ملامح) بأنها رواية لم يجد لها مثيلاً في جرأتها إلا في (الخبز الحافي) لمحمد شكري، وفي رواية (الرواية) لنوال السعداوي، و(يا سلام) لنجوى بركات. بطلاتك إذاً ضحايا المجتمع وشروطه* القاسية؟ - بطلاتي بشر، أتركهن على سجيتهن من دون تملّق أو تزييف. لا أفرض مواعظي عليهن، هن اللواتي يقدن مصائرهن، لذا أحترم قراراتهن لأنهن يُمثلن الضعف البشري بكافة أوجهه، وهو بالتأكيد مغروس بداخل كل منّا بدرجات متفاوتة! ! نعم بطلاتي ضحايا لمجتمعات لم تفهم طبيعتهن، ولم تُراع ظروفهن، ولم تُعط لهن الفرصة ليعشن حياة سعيدة، لأن المجتمعات العربية ما زالت قائمة على إعطاء صكوك غفران للرجل، ونصب المشانق للنساء!!

 

 

   

 www.e-sada.com                                                                               للأعلى