نايف صقر: من السهل أن تجعل للجمل شراعاً!

متهكما على الحداثيين..و معرضا بأدونيس!

في بداية مشوارك كنت توجد بكثرة من• خلال النشر بعكس ما نراه الاَن لماذا؟ - في بداية النشر يملك الشاعر طاقة في الكتابة لدرجة أن بإمكان أي موقف أن يحرك مشاعره ليكتب قصيدة بكل عفوية وتلقائية من دون حواجز نقدية تعرقل الكتابة، ولكن فيما بعد يختلف الأمر ليجد الشاعر نفسه محاطاً بأغلال صنعتها الشهرة، ودائماً يجعل نفسه قارئاً وليس شاعراً في كل بيت شعر يكتبه ليقنع نفسه قبل أن يقنع الجمهور، والشاعر بعد الوصول إلى هذه الشهرة يكتفي بنص واحد في السنة، يتأكد قبل نشره أنه سيقنع القراء ويحافظ على جمهوره.

تميزت منذ ظهورك الأول بسهولة• ووضوح المعنى وأحبك الجمهور لهذا السبب، لكن لوحظ اختلاف أسلوبك في الاَونة الأخيرة لدرجة أن بعضهم قال إنك تبحث على المعنى المعقد؟ - لا أسميه تعقيداً للمعنى بل تطوراً في الأسلوب، ولا يمكن لأحد أن يقول إن الجمهور تعقد أو إن الجمهور يريد كذا وكذا، لأن لا أحد يستطيع أن يحدد ماهية القراء ونوعيتهم، فالجمهور كلمة عامة تشمل جميع الأذواق. يعتقد بعضهم أن كتاباتي أصبحت صعبة، والصعوبة تكمن في بعض المفردات، وأنا أقول هذه المفردات لم تأت من لغة أو ثقافة غريبة، فهي من صميم ثقافتنا وتراثنا وعدم فهم بعضهم لها ليست جريمة في حق ما أكتبه. وما يهمني هو تقييم الشعراء والمتخصصين لقصيدتي.

وقيل أيضاً إنك رجعت 100 سنة للوراء• في جو قصائدك الأخيرة؟ - ولم لا، تصور أن مخرجاً سينمائياً حاول أن يصور فيلماً قديماً بالتأكيد سيأخذ في عين الاعتبار فارق الزمن في كل مشاهد الفيلم، وبالنسبة لي أعده نجاحاً للشاعر إذا استطاع أن يرجع القارئ مئة سنة من خلال قصيدة، في حين أن الفيلم يحتاج إلى ملايين وجهد بشري ليجعل المشاهد يعيش زمن القصة وأحداثها. الكلمة والمعنى القديم جزء من ثقافتنا وربما بعضهم تجرد منها وأثرت فيه المدنية ليعتقد أن هذه المفردة معقدة أو أن مفردة معينة لا تنتمي لزماننا وفي الواقع إنه هو من خرج عن ثقافة القصيدة. وفي المقام الأول القصيدة معبرة عن ثقافة شاعرها وليس من الضروري أن يتفق القارئ والشاعر على ثقافة واحدة ورأي واحد من خلال القصيدة.

وما السبب في اختيارك للمفردة السهلة• في بداياتك؟ - اخترت المفردة السهلة لكي يفهمني القارئ البسيط، وكنت أراعي مسألة اللهجة الكويتية السهلة والبسيطة لأنني أنشر في صحيفة كويتية، وما جعلني أضع في الاعتبار اختياري للمفردة المناسبة لأنني كنت أخاطب جمهور الكويت في ذلك الوقت.

هل خدمك الإعلام؟• - الإعلام يبحث عن مواد يتحرك من خلالها، وبالنسبة لإعلام الساحة الشعبية، فمنذ بداية نشأته المتواضعة، مقارنة به في وقتنا هذا، كان يحتاج إلى وجود الشعراء، لأنهم كانوا أقل حضوراً مما هم عليه الاَن، وبالنسبة لي أعتقد أن حضوري الإعلامي منذ البداية جعلني حاضراً في أذهان القارئ والمعد لسنوات، ومؤكد أن الإعلام خدمني في هذا الجانب وخدم جميع الشعراء الذين وجدوا في تلك الفترة لأنهم هم الموجودون في الصورة.

الصحافة الكويتية عرف عنها تصدير• الأسماء وصناعة النجومية في الساحة الشعبية. . هل مازالت تقوم بالدور ذاته؟ - بالتأكيد الصحافة الكويتية وخصوصاً جريدتي (السياسة) و(القبس ) كانتا في فترة من الفترات المحطتين الوحيدتين لكافة الشعراء في الخليج العربي، وفيما بعد عندما تطور الموضوع إلى مطبوعات متخصصة بالشعر الشعبي لم يكن هناك سوى مجلتي (المختلف) و(الغدير)، وهذا ما جعل الصحافة الكويتية هي الرائدة في سياسة تصدير الأسماء، ولكن في السنوات القليلة الماضية امتدت رقعة الصحافة الشعرية لتشمل كافة أرجاء الخليج العربي ولم تصبح الكويت متفردة في هذا الموضوع، فتنافس المطبوعات الخليجية ساهم بنزع هذه الخصوصية. لكن للأمانة مازالت الصحافة الكويتية هي الأنشط والأولى في تصدير الأسماء.

وأين يصب تنافس المطبوعات؟• - لا شك أن تنافس المطبوعات الشعرية في استقطاب الشعراء يصب في مصلحة الشعراء في المقام الأول، وقد أصبح هذا التنافس ضرورياً في ظل هذا العدد الكبير من الشعراء، إضافة إلى أن هذا التنافس يصب في خدمة القارئ، فبدل أن يقتصر ذوقه على مطبوعة واحدة تعددت الخيارات أمامه وبإمكانه أن ينتقي المطبوعة الأجمل.

ألا تعتقد أن هذا ما سبب تواضع• القصائد المنشورة في أغلب المطبوعات؟ - صحيح، وهذا ما تفتقده غالبية المطبوعات، ولعل السبب هو اهتمام غالبية الشعراء بالنشر في مطبوعات معينة، ما يجعل المطبوعات الأخرى تفتقد النص الجديد للشاعر النجم، ويجعلها تحاول أن تفرض على القارئ أسماء جديدة في محاولة منها لإقناع الجمهور بها، ولكن غالباً ما يرفضها القارئ لسببين إما لأنهم غير مقنعين وإما لكونهم نسخة من شعراء اَخرين.

وما أبرز سلبيات اتساع رقعة الصحافة• الشعبية؟ - في السابق كانت المساحة محدودة وتجد الشعراء يتنافسون على هذه المساحة الصغيرة، فتجد الشاعر يتعب على القصيدة ويصب كل اهتمامه فيها لأنه على قناعة تامة بأن قصيدته هي التي ستوصله للجمهور ولا شيء سواها، أما الاَن فتجد أن الخيارات تنوعت أمام الشاعر وبإمكان الشاعر أن يصل لأكبر عدد ممكن من الجمهور من خلال خبر أو بلقاء أو حتى صورة، فتحولت المسألة إلى شهرة بعد ما كانت شاعرية.

نايف صقر ومساعد الرشيد وسليمان• المانع، كسبتم شهرة كبيرة في أقل من سنة، في حين أن هناك شعراء احتاجوا إلى سنوات ليحققوا نصف ما حققتموه؟ ما السبب؟ - الشهرة التي حققناها من خلال النشر في جريدة (السياسة) كانت على مستوى الشعراء والصحافيين ولم تكن نجومية بمفهوم النجومية التي نراها حالياً، كسبناها بسبب قناعة القارئ التي لا يمكن أن تأتي بضربة حظ بل بجهد وحب واهتمام بما قدمناه، أكيد أن الظروف تخدم الإنسان ولكن ليست الظروف وحدها هي التي تسبب النجاح.

الاتهام بالغرور إحدى ضرائب الشهرة،• هل اتهمت بالغرور؟ - يعتقد الناس أن أي شخص مشهور هو بالمقابل مغرور، وهو أمر غير صحيح، بإمكان الشهرة أن تكون محفزة للغرور ولكن ليس دائماً، وهذا أمر يرجع للشخص نفسه، بغض النظر عن شهرته من عدمها، وبالنسبة إلي اتهمت بالغرور من خلال قصائدي، وهذا أمر يحق للشاعر، ويعجبني الشاعر النرجسي في قصيدته.

قلت. . يهمك تقييم الشعراء لقصيدتك،• من هم أكثر الشعراء الذين يهمك تقييمهم لقصيدتك؟ -غالبية الشعراء تجمعني بهم علاقة طيبة ويهمني أن أجد النقد أحياناً والإطراء أحياناً أخرى، ولكن من أهم الأسماء التي يهمني جداً رأيها في قصائدي هم فهد عافت، ومساعد الرشيدي، وناصر السبيعي.

ولكن الذين ذكرتهم هم أصدقاؤك• وقطعاً ستجد لديهم المجاملة والإطراء؟ - بالعكس ، ولماذا لا نقول إن صديقك من صَدَقَكَ، ومن ناحية أخرى فإن الإطراءات التي حصلت عليها قصائدي لم تأت من الشعراء، والجو الشعري المحيط بي، ولكن أذكر لك إطراء من الروائي الطيب الصالح في مجلة (المجلة) وكان كلامه مهماً جداً بالنسبة إلي وأجمل ما بالموضوع أن الطيب الصالح روائي وليس له علاقة بأجواء الشعر والساحة الشعبية. ولأنه روائي وسياسي أصبحت شهادته مهمة، وشهادة أخرى أوصلها إليّ شخصياً خلف الحربي بأن البردوني سئل في أحد البرامج عن الشعر والشعراء في الجزيرة العربية فذكر اسم نايف صقر بنوع من الإطراء الجميل وهذه أيضاً شهادة مهمة جداً.

قلت في إحدى قصائدك (حول الليل عن• خيل السهر) وجاء كاتب بعد ثلاث سنوات قال إنها اقتباس من قول أدونيس (ترجل الليل عن فرس النهار)؟ - أدونيس قرأت له مرة أو مرتين، ولم أرتح لتلك القراءة لصعوبة معانيه وفلسفته في قصائده، وبالنسبة إلى هذه المقولة. . للأمانة لم أقرأها ولا أزكي نفسي بأنني وصلت إلى فلسفة أدونيس ، ولكن على أية حال هذا أمر يسعدني ويسعد أي شاعر عند مقارنة نتاجه بما يكتبه أدونيس ، وبصراحة (عفيه علي) وصلت لشيء مشابه لما كتبه أدونيس .

قلت إنك لا تفهم أدونيس . . كم أدونيس • في الساحة الشعبية؟ - بالتأكيد هناك شعراء يكتبون للغموض ، ومن السهل تركيب المعاني، مثلاً أن تجعل قلباً للمحارة وشراعاً للجمل، ولكن لا يحق لأي شاعر أن يكتب بهذا الغموض إلا إذا كان له تاريخ شعري ومسيرة تشهد له بأن وراء هذه القصيدة، هذه المعاني مغزى.

غنى لك عبد المجيد أغنية (صحيت• جمرة) ونجحت نجاحاً كبيراً، لماذا لم تستمر في هذا المجال؟ - لم أكتب للأغنية، لأن كتابة الأغنية لها أسسها وفنها الذي يختلف تماماً عن كتابة القصيدة، والحاصل أن أحد الملحنين قام بتلحين قصيدة نشرتها في (السياسة) وكان على وشك أن يقدمها للغناء لأحد المطربين، ولكن إعجابي باللحن جعلني أفضل أن أكتب قصيدة غنائية تتماشى مع نفس اللحن، وكتبت (صحيت جمرة) وغناها عبدالمجيد وأخذت صدى أكبر مما كنت أطمح إليه. ولم أكرر التجربة لأنني لا أجد نفسي في كتابة الأغنية، لأنني أكتب القصيدة ونصب عيني نقد الشعراء والجمهور، وهذا الأمر لا يجعلني أكتب قصيدة غنائية، لأن أي كاتب أغنية يحتاج إلى أن يتجرد من هذا الإحساس ليكتب أغنية ناجحة.

نسخ الشعراء ،• مصطلح يعبر عن تشابه الشعراء وتأثرهم بشعراء مشهورين، كم نسخة لنايف صقر في الساحة؟ - أنا أرى أن جميع الشعراء جميلون وغالبية الشعراء في هذا الجيل تجد في قصائدهم جماليات وفناً في صياغتها، ومن الصعب على الشاعر أن يأتي بالأجمل، وبصراحة وبكل أمانة لو وُجد هؤلاء الشعراء في زمن الثمانينيات لأثروا في شعراء فترة الثمانينيات، وسبب ذلك أننا بدأنا ولم نستفد من تجارب سبقتنا، أي أننا بدأنا بمجهود ذاتي ولم نتأثر بأي تجربة سبقتنا، بعكس الشعراء الاَن، فالمدارس الشعرية والتجارب كثيرة وبإمكان الكل أن يتأثر بشاعر ويكتب بأسلوب مشابه في بعض الأحيان.

هذا يجعلنا نسألك لو أن نايف صقر بدأ• مشواره في الألفين. . هل ستسير بالخطوات نفسها التي سرتها خلال مشوارك؟ - بالتأكيد لا، ولو أني خرجت للساحة في هذا الوقت لفعلت مثل سعد الحريص ، بمعنى أن أستفيد من كل الموجودين واَخذ الأجمل ممن سبقني من الشعراء المبدعين، لكي أستطيع أن أكسب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، ولو أردنا أن نسترجع الزمن والتجربة التي خاضها شعراء الثمانينيات لخرجنا بحقيقة واحدة وهي أننا كتبنا بطريقة جديدة وأسسنا مدرسة تُعد قفزة نوعية، فمن المدرسة التقليدية إلى الأسلوب المعاصر والمدرسة الحديثة التي نجدها في قصائد شعرائنا الاَن.

 

                                                             www.e-sada.com                                                                                                                 للأعلى