(الارتجال) بين عادل إمام ويونس شلبي . . ومجدي يعقوب

 

الارتجال سمة وامتياز عربي . . منذ الشعر الجاهلي، مروراً بشعراء صدر الإسلام، و ليس انتهاء بالمتنبي والجواهري، يظل الارتجال وقفاً عربياً على مستوى الشعر، ربما بحكم طبيعة المكان والبيئة المفتوحة التي تتيح مساحات احتياطية لا تجد الذاكرة إزاء فائضها كبير عناء كي تقوم باستذكار واستدعاء وتصوير ما تريد أن تستذكره وتستدعيه وتصوره.

والمتتبع لتاريخ الذاكرات والحافظات في التاريخ، لا يجد صورة تبعث على الإدهاش والغرابة، أو هي في مساحة من المعجز بعيداً عن الذاكرة والحافظة العربية، ما يجعل الارتجال واحداً من سمات تلك البقعة المهملة والمنسية من التاريخ والجغرافيا، خصوصاً مع تعدد أشكال وقنوات حفظ الذاكرات.

ما يدفعنا إلى القول وبشيء من الارتياح والثقة، إن ملكة الحفظ والارتجال على مستوى الاستعراض ( شعر المديح نموذجاً ) . . المسرح . . يكاد لا تنافسنا فيه أيّة أمّة من الأمم.

في المسرح الغربي تقريباً لا يتجرأ ممثل مسرحي على الخروج على النص ارتجالاً، لأن ذلك يمكن أن يعرضه إلى مساءلة قانونية تكلفه ملايين الدولارات من قبل كاتب العمل، ومن قبل المخرج والمنتج، وجميع أطراف العملية، حتى وإن لقي ذلك الارتجال استحساناً منقطع النظير، أو شكّل إضافة ضرورية غفل عنها كاتب العمل ومخرجه، إلا أن ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعفي صاحبه من المساءلة تلك.

ما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد أن مساحة الارتجال تلك ظلت تلعب على وتر الإضحاك وإدخال الجمهور في حال تكشف عن عدم حرص نسبة كبيرة من الجمهور على القيمة التي يراد تمريرها في النكتة الموقف، فيما/ الارتجال في الأعمال المسرحية الجادة يكاد يعادل صفراً.

عربياً لا يمكن لأي ممثل مسرحي وبحكم ملكة الذاكرة، المرتبطة بثقافة هي في-إ جزء كبير منها شفهية، وبحكم سريان جينة الحفظ والارتجال تلك - أن ينجح ويتكرّس حضوره لدى الجمهور، ما لم يعمد إلى تلك الحالة التي ما زالت غير منظمة قانونياً، (حالة الارتجال والخروج على النص ).

لنبدأ ب (مدرسة المشاغبين): دور يونس شلبي في هذياناته وتكراره لم يك في صلب النص ، وفي (العيال كبرت) ثمة أكثر من 4 إلى 5 مشاهد مرتجلة وخارج النص أداها كل من يونس شلبي وسعيد صالح وحسن مصطفى، ببراعة لافتة. ولكن ما الذي يتذكره الجمهور من العملين المذكورين ؟ على الرغم من أنه أدّى عشرات الأفلام وعشرات المسرحيات، إلا أن كل ما يتذكره الجمهور العربي ليونس شلبي هو المساحات الارتجالية تلك، وكأنها تكشف عن رخاوة وثقل دم كاتب النص حين يضفي - وقتها - روحاً غامرة على العمل المسرحي بمواقف ارتجالية خارج النص غفل عنها الكاتب نفسه.

* عادل إمام لم يك خارج المعادلة / اللعبة نفسها، ففي مسرحية (مدرسة المشاغبين) ثمة أكثر من 3 إلى 4 مشاهد لم يتم رصدها في النص ، خصوصاً: (أنا المخ وأنت العضلات)، وسيرة نقل اذاعة ال BBC لهزيمة مرسي ابن المعلّم الزناتي، وإصراره على أن المذيع قال ما نصّه: (مرسي بن المعلم الزناتي اتهزم يارجّاله، واَل يارجّاله بالإنكليزي! )، وبعد حوار طويل يتضح أنه قالها: يا مينز! ويلخص سعيد صالح الكيفية التي نطق بها المذيع: من الشمال لليمين! . وحتى جملة عادل إمام في المسرحية نفسها: (بعد أربعطعشر سنة خدمة فْ سنوي بتئول لي أأف). لم تك واردة في النص الأصلي للمسرحية.

في (الواد سيد الشغال)، لا يخلو العمل مما• نسبته 10 في المئة من مساحة الارتجال، وعلى الرغم من قناعتي بركاكة العمل وسذاجته، وأيضاً خلاعته، إلا أن ما يمكن أن يتذكره أي متتبع للمسرح هو المساحات الارتجالية التي كان بعضها موفقاً والبعض الاَخر، خادشاً للكثير من الحياء في استماتة لإدخال الجمهور في حال من الضحك الهستيري المفرغ من أية قيمة، وخصوصاً في مشاهد يستدرج فيها عادل إمام عمر الحريري لنوبة من الضحك. . تتعلق بأبي سفيان الذي كان ماكراً، ما دفعه إلى اتخاذ شارع صلاح سالم طريقاً للنجاة من الترصد لقافلته، تلك الفقرة لم تك موجودة في النص ، عدا عن (الخرابة) و (التبوؤ) و(أميركا اليونانية).

خلاصة الأمر، أن ما يمكن تذكره من تلك الأعمال التي شغلت الناس هو المساحة التي تم ارتجالها بحكم امتداد جيني يمكن اكتساب صفة استمراره حتى بعد أكثر من 2500 عام، يضفي على العمل مسحة من قبول، وارتفاع مؤشر في الأرباح، فيما هو لدى الاَخر انتهاك لحقوق، وتجاوز لنص له تبعاته وتداعياته القانونية.

مسرحيات عادل إمام حطمت أرقاماً قياسية في العروض - عربياً - وصلت إلى 7 و 8 أعوام في متوسطها، فيما تلك الفترة بمثابة قيلولة مقارنة ببعض العروض المسرحية الإنكليزية والأميركية وحتى اليابانية التي تمتد إلى 20 و 25 عاماً، إلا أن المهم في الأمر، أن الجمهور العربي، وإن تعدّد حضوره للعمل المسرحي الواحد لإمام، لا يمكنه أن يتذكر إلا المساحات المرتجلة في النص ، فيما هو في انعزال عن النص الأصلي، وحتى القيمة التي يمكن أن يمررها، وتحمل أهميتها وفكرتها.

ربما يعد الفنان محمد نجم، الذي توارى عن• الأنظار منذ سنوات، واحداً من أكثر الممثلين العرب قدرة وانتباهة ودقة فيما يعرفه المصريون بال (إفّيه) وهي اللمسة التي يتركها الفنان على بعض زوايا الحركة والخروج بالنص باتجاه ذي معنى، إضافة إلى استهداف إضحاك الجمهور، ولعل ما عرف ب (شفيق يا راجل) وتبعاتها واحداً من أذكى وأبرع أنواع الخروج على النص ، إذ يظل الجمهور إلى اليوم يتذكّر تلك المقالب التي استدرجها خروج أوّل على النص وتبعه إعادة كتابة ما يمثل مشهداً في العمل المسرحي المذكور.

ذلك يدفعني إلى الإشارة إلى نموذج اَخر بعيد كل البعد عن خشبة المسرح وارتجالاته المتكرره.

الإشارة إلى جراح القلب العالمي العربي الشهير مجدي يعقوب، إذ للرجل ارتجالاته في العديد من العمليات الجراحية التي أجراها، وطبيعة المهنة التي يتعاطاها لا تقبل أي استعراض ، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لم يفلت من تلك العادة بحكم حضور البديهة، وهي هنا تأخذ تعبير وصفة البديهة المتوقدة التي تنطلق من مرجعياتها العلمية وأدائها العملي وتراكم خبراتها، ما يجعلها في بعض تلك العمليات أقرب إلى الارتجال إذا صح التعبير . . عشرات من العمليات التي أجراها يعقوب من أصل اَلاف، لم تخل من ارتجال، بمعنى بروز وحضور القرار في لحظات حرجة، خصوصاً إذا ما جاءت الفحوص الأوّلية التي تسبق إخضاع المريض إلى العمليّة خلاف التوقعات والمؤشرات التي تسجلها الأجهزة والمعامل، وخصوصاً تلك المتعلقة بإخفاء التاريخ المرضي أو الطبي من قبل بعض المرضى، ما يدع الجرّاح في مهب اتخاذ قرار، إما أن يعيد المريض إلى عائلته، وإما أن يرسله إلى القبر ! . ويعقوب نفسه في لقاء مع إذاعة ال إBBC قبل 3 سنوات أشار إلى أنه لا يتذكر اَلاف العمليات، بقدر ما يتذكر عشرات منها اتخذ إزاءها قرارات مصيرية، وبتعبير المسرح: جملاً مرتجلة!

 

 

 

                                                             www.e-sada.com                                                                                                                 للأعلى