وداعاً عبد الله الفيصل

هناك أناس لا يمكنك أن تمر بهم من دون أن تتوقف أمام قاماتهم المديدة طويلاً، تتفرس في قسماتهم وتتابع إنجازاتهم، وترصد ما يصدر عنهم، وحين يرحلون عنك لا يسعك إلا أن تنحني احتراماً لرحيلهم، كما لا يسعك إلا أن تشهد لهم بما كانوا عليه. والأمير الشاعر الراحل عبد الله الفيصل قامة من تلك القامات السامقة التي لا بد من الوقوف عند إنجازاتها الأدبية والفكرية والحضارية; لأنها تستحق أن يقال فيها من حسن المقال ما لا بُدّ أن يقال ،وأن يروى عن تجربتها الحياتية ما يروى، بَرّاً بالإبداع تجاه الأجيال القادمة وتاريخ وجودنا كبشر. لم تكن قصيدتا (ثورة الشك) و( من أجل عينيك ) اللتان أبدعهما خيال الراحل الكبير الأمير الشاعر عبد الله الفيصل فقط، ما منحه مكانته الشعرية والفكرية، بل كانت أيضاً إنسانيته وبره بأهله وناسه وأبناء عروبته ووطنه، إلى جانب نبل خصاله وسعة معرفته وعمق دلالاته، من دون أن ننسى حضوره ودوره السياسي .

لقد كان الأمير الشاعر عنوان القصائد التي ترنّمت بها حناجر المطربين مثل أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة ومحمد عبده وطلال المداح ومحمد عمر وخالد عبد الرحمن وعبد الكريم عبد القادر ونبيل شعيل، وغيرهم من أصحاب القامات الغنائية الباسقة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس .

كان عبد الله الفيصل (المحروم) حالة شعرية فصيحة ونبطية في اَن معاً، وهذا قلما نجد له شبيهاً بين شعراء العربية في القرن العشرين. والمطلع على تاريخ هذا الرجل يحس بسطوة حضوره الإبداعي، وحجم عطائه الخلاق الذي استمر بلا انقطاع لما يزيد على خمسين عاماً ، كما يمكنه بقليل من الاطلاع إدراك إنسانية هذا الرجل الحضاري والمعرفي والسياسي والاجتماعي الرقيق.

لقد ترجّل الشاعر الجميل عبد الله الفيصل عن صهوة جواده، وهو يدرك أنه أنجز ما كان عليه إنجازه خلال وجوده على أرض الواقع، تاركاً لنا أثره المهم والمتمثل بديواني شعر فصيح أحدهما يحمل عنوان (وحي الحرمان)، والاَخر يحمل عنوان (حديث قلب)، إضافة إلى ديوان شعر نبطي عنوانه (مشاعري) والعديد من أعماله التي ترجمت إلى اللغات الفرنسية والإنكليزية والروسية.

عبد الله الفيصل رحل بجسده عن هذه الدنيا، إلا أن أثره الإبداعي لم يزل خالداً فيها بشهادة التاريخ الذي أفرد له صفحات لا تفرد إلا لعظماء الأمم ومفكريها ومبدعيها. . وما إحساسنا بالحزن على رحيله وصعوبة افتقاده إلا دليل أكيد على مكانته التي لا يمكن أن يملأها أحد سواه، فالرجال لا يتكررون في الحياة مرتين، إنما يمكن أن يبقوا في الذاكرة ما دامت للناس ذاكرة تعي الوقائع وتتحدث عن الحب والخير والجمال.

ونحن حين نقول وداعاً للراحل الشاعر الأمير عبد الله الفيصل فإنما نقولها بإحساس من افتقد معْلماً من معالم وطنه، أو جزءاً من خريطته الفكرية والأدبية التي كانت ولا تزال تهديه إلى مسالك المعرفة بنورها الجلي المنبعث منها لحظات عبورها زمن وجودها في الحياة الفانية إلى دنيا الحياة الباقية. . إنه رحيل من مقام الشعر، لا يسعنا إلا الاعتراف بسعة حضوره وانصرافه. لقد افتقدنا عبد الله الفيصل شاعراً فصيحاً أبدع خياله أعذب الأشعار، كما افتقدناه شاعراً نبطياً ترك في هذا اللون من الشعر بصمته التي تؤكد علو كعبه فيه، كما افتقدناه إنساناً أعطى الإنسانية صورة لما يجب أن يكون عليه الإنسان.

عبد الله الفيصل، في ذمة الله نستودعك، ونسأله تعالى أن يجعل مثواك الجنة إلى جانب الصدّيقين والأبرار.

 

 

                                                             www.e-sada.com                                                                                                                للأعلى