الخيال الشعري والخيال الشعبي
ين متلازمان هما دائماً; الخيال والشعر، ومتناغمان دائماً، الشعر الشعبي والخيال الشعبي، يستقيان من مَع واحد، وينصرفان في منهج واحد، وقد خلّد الشعر الحكاية الشعبية ووثّقها، وأسبغ عليها إمكانية الواقع، وقرّبها منه، وكأنه صكّ المصداقية المضمون، مع ما يعتري الشعر من بواعث الخيال ومُحسّنات القصيد التي تُعَدّ المبالغة ركناً أساسياً فيها; فالفارس حتى يكون فارساً في الخيال الشعبي، لا بد أن تكون شخصيته عبارةً عن كتيبة متحركة باَلياتها ومدافعها ودروعها، وإلا فإنه لن يصبح بطلاً. ومن مظاهر بطولته أنه يقرض الشعر ارتجالاً، فيأتي بغريبه وعجيبه دون الحاجة الى إشغال الذهن، وكد الخاطر، فقد استوفى شروط الكمال برجولته وشهامته وفروسيته، كما شاء له الخيال الشعبيّ الباحث عن البطولات أن يكون. وحيثما حل وارتحل ترك اَثاراً شعرية، وماَثر شعبية تمجّد بطولاته التي لا تنتهي، وكأنه أسطورة حية، وليس بشراً من لحم ودم، يتعب عرف الرواية الشعبية أقرب ما يكون إلى أعلى درجات الكمال البشري. فيويمرض ويتأّذى ويُخدع، فهو ومَنْ يستمع إلى ما كان يرويه الكبار من رجالات الزمن الغابر، يستغرب شدّة تعلقهم بتلك الشخصيات التي صاغها وأنتجها الخيال الشعبي، في فترات الأزمات والصراعات، فخرجت سيرة عنترة الشعبية، والسيرة الهلالية كأسطورتين تناقلتهما الأجيال بشكل (درامي); فشخصية عنترة في الأدب الشعبي شخصية مخيفة، وهو يرتجل الشعر النبطي بيسر وسهولة، بينما لعنترة في الحقيقة مُعلّقة من أجود المعلقات، وكان شعره كله بالفصحى; لأنه نتاج الفترة التي سبقت الإسلام.
ولكن الأمر يبدو مختلفاً إذا نظرنا إلى القصة الشعبية التي وُضعَتْ على لسان سيدنا علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)، عندما ادّعت القصة (زيفاً) أنه سأل النبي الكريم (عليه السلام)، إن كان هناك من هو أقوى منه، فقال له الرسول الكريم: (الذي طبعاً لم يقل): إن هناك فارساً اسمه عنترة. . فطلب عليّ مبارزته، فقال له، كما يدّعون أنه قال: (سيرْ لين المعشرة ونادي على عنترة). فسار، فلما نادى خرج له ألف عنتر، فعاد ثانية، فقال له: (سير وقول يا عنتر بن زبيبة)، فسار ولما نادى، ظهر له عنترة قائلاً بالنبطي طبعاً: طلعنا بالحديد مُكبّلينا بلْيْ الحديدْ وحنّا ما بلينَا فقال عليّ لما راَه على تلك الهيئة: (يا أرض خذيه). . وطبعاً القصة موضوعة جملة وتفصيلاً، وهي نتاج الخيال الشعبي الذي لم يتنبّه أصحابه إلى الحقيقة،فيخطورة اختلاق القصص التي، وإن نسبت إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، هي ليست جرأة على مقامه الشريف، أو بقصد التقوّل عليه، وإنما هي بدافع الجهل الذي يريد الخيال سياق مخالف للشرع (قولاً) دون قصد أوفيالشعبيّ أن يسبغ به المصداقية على تلك القصص ; فيضعها عمد . . إنها شطحات خيال شعبي جامح، والناس قادرون - أولاً وأخيراً - على أن يميزوا ويفرقوا بين ما هو خيال موضوع، وبين ما هي حقائق تاريخية موثّقة لدى أهل العلم. .
ولا يزال الخيال الشعبيّ، كما كان، مصدراً من مصادر الشعر التي لا تنضب.